الشيخ محمد رشيد رضا

492

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

15 : 22 وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) وقد جعله بعض مفسري السلف تلقيحا مجازيا كقول ابن مسعود ( رض ) انها تلقح السحاب فيدر كما تدر اللقحة « 1 » نعم قال ابن عباس ( رض وكذا الحسن : تلقح الشجر وتمري السحاب ، ولكن هذا القول المقتبس من التنزيل بنور الفهم الصحيح ، لم يزل خفيا في تفصيله حتى عن العرب الذين كانوا يلقحون النخيل - لي ان اكتشف الناس أعضاء الذكورة والأنوثة في النبات وكونها تثمر بالتلقيح ، وكون الرياح تنقل مادة الذكورة من ذكرها إلى أنثاها فتلقحها به ، ولما علم الإفرنج بهذا قال بعض المطلعين على القرآن المجيد من المستشرقين منها : أن أصحاب الإبل - يعني العرب - قد عرفوا ان الريح تلقح لاشجار والثمار قبل أن يعرفها أهل أوربة بثلاثة عشر قرنا « 2 » ومثال ما عبر القرآن عنه مما يشمل ما لم يكن في زمن تنزيله ولا فيما قبله بحسب ما يعلم البشر هذه الآية التي ظهر تفسيرها في هذا الزمان بهذه الحرب الأوربية التي لم يسبق لها نظير ، فقد أرسل اللّه على الأمم عذابا من فوقها بما تقذفه الطيارات والمناطيد من المقذوفات النارية التي لم تعرف قبل هذه الحرب فوق مقذوفات المدافع وغيرها مما كان معروفا قبلها ولكن بعد تنزيل الآية - وعذابا من تحتها بما يتفجر من الالغام النارية وبما ترسله المراكب الغواصة في البحر ، التي اخترعت في هذا العصر ، ولبسها شيعا وأذاق بعضها بأس بعض ، فحل بها من التقتيل والتخريب ما لم يعهد له نظير في الأرض ، وقد شرحنا هذا في مقالة نشرناها في المنار . ولا شك في أن دلالة الآية على هذه المخترعات مراد ، لان اللّه تعالى منزل القرآن هو علام الغيوب . وفي الحديث المرفوع ما يشير إلى ذلك ، فقد روى أحمد الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص قال : سئل رسول اللّه ( ص ) عن هذه الآية ( قُلْ هُوَ الْقادِرُ - إلى آخرها ) فقال « أما انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد » ويقويه ما ورد في تطبيقها على أمتنا ، لأنه سنة اللّه في أهل الكتاب من قبلنا ، كما يأتي قريبا انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ أي انظر بعين عقلك أيها

--> ( 1 ) اللقحة بالفتح الناقة ذات اللبن ( 2 ) نقل ذلك السيد محمد بيرم الخامس في مقدمة صفوة الاعتبار عن مستراجتيري الانكليزي معلم العربية في مدرسة اكسفورد الجامعة