الشيخ محمد رشيد رضا

491

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ليتبع بعضها بعضا ( ثالثها ) التقوية والتهييج ومنه قولهم شيع النار إذا ألقى عليها حطبا يذكيها به ، والشياع ( بالفتح والكسر ) ما تضرم به النار ، وكل هذه المعاني ظاهرة في الشيع والأحزاب المتفرقة بالخلاف في الدين أو السياسة . وفسر ابن عباس الشيع بالأهواء المختلفة أي أصحابها وقد ورد في المأثور تفسير العذاب من فوق بالرجم من السماء أي من جهة العلو - وكذا بالطوفان - كما وقع لبعض الأمم القديمة ، والعذاب من تحت الأرجل بالخسف والزلازل المعهودة في القديم والحديث ، وروي عن ابن عباس ان المراد بالفوق أئمة السوء - أي الحكام والرؤساء - وبالتحت خدم السوء ، وفي رواية ( مِنْ فَوْقِكُمْ ) يعني أمراءكم ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) يعني عبيدكم وسفلتكم . وهذا معنى صحيح في نفسه ولعل مراد الخبر منه أنه يدخل في عموم ما ترشد اليه الآية ، وقيل المراد بالفوق حبس المطر وبالتحت منع الثمرات ، وهذا تفسير سلبي والتعبير عنه بالارسال تعبير عن الشيء بضده فان الارسال ضد المنع والامساك والحبس ، ومنه قوله تعالى ( 35 : 2 وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ) ولما كان لفظ العذاب في الآية نكرة جاز حمله على كل عذاب يأتي من فوق الرؤوس ومن تحت الأرجل أو من رؤساء الناس أو من تحوتهم ، ولولا أن هذا الابهام مراد لأجل هذا الشمول لصرح بالمراد كما صرح به في مثل قوله تعالى ( 67 : 6 أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ 7 أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ) وحكمة مثل هذا الابهام في القرآن أن ينطبق معنى اللفظ على ما يدل عليه مما يحدث في المستقبل أو ينكشف للناس فيه ما كان خفيا عنهم ، إذ ورد في وصف القرآن أنه لا تنتهي عجائبه ، وان فيه نبأ من قبل الذين نزل في زمنهم ومن كان معهم ومن يجيء بعدهم مثال ما عبر القرآن عنه ولم ينكشف لجمهور الناس انكشافا تاما إلا بعد نزوله بقرون كون الثمار وغيرها أزواجا منها الذكر والأنثى قال تعالى ( 13 : 2 وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) وقال ( 51 : 49 وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ) وكانوا يحملون الآيات في ذلك على المجاز - وكون الرياح تلقح النبات كما هو صريح قوله تعالى