الشيخ محمد رشيد رضا

490

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 67 ) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ذكر اللّه تعالى هؤلاء الناس في الآيتين السابقتين ببعض آياته في أنفسهم ، ومنته عليهم في وقائع أحوالهم ، التي يشعر بها كل من وقعت له منهم ، وكونه هو الذي ينجيهم من الظلمات والكروب ، والأهوال والخطوب ، إما بتسخير الأسباب ، وإما بدقائق اللطف والالهام ، ثم قال * * * قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فهذا تذكير بقدرته على تعذيبهم ، إثر التذكير بقدرته على تنجيتهم ، لا فرق فيهما بين أفرادهم وبين مجموعهم وجملتهم ، وانذار بان عاقبة كفر النعم ، أن تزول وتحل محلها النقم . والمعنى قل أيها الرسول لقومك ومن وراءهم من الكافرين بنعم اللّه ، الذين يشركون به سواه ، ولا يشكرون له ما من به من النعم وأسداه ، ومن الذين يتنكبون سنن اللّه ، ويختلفون في الكتاب بعد أن هداهم به اللّه : هو اللّه القادر على أن يثير ويرسل عليكم عذابا تجهلون كنهه فيصبه عليكم من فوقكم ، أو يثيره من تحت أرجلكم ، أو يلبسكم ويخلطكم فرقا وشيعا ، مختلفين على أهواء شتى ، كل فرقة منكم تشايع إماما في الدين ، أو تتعصب لملك أو رئيس ، ويذيق بعضكم بأس بعض ، وهو ما عنده من الشدة والمكروه في السلم والحرب ، وقال صاحب الكشاف بعد تفسير اللبس بالخلط : ومعنى خلطهم أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال من قوله : وكتيبة لبستها بكتيبة * حتى إذا التبست نفضت لها يدي أقول وأصل معنى اللبس التغطية كاللباس وهذا التفرق والاختلاف بين الشيع كالغطاء يستر عن كل شيعة ما عليه الأخرى من الحق ، وما في الاتفاق معها من المصلحة والخير ، ولمادة ش ي ع ثلاث معاني أصلية في اللغة ( أحدها ) الانتشار والتفرق ومنه شاع وأشاع الاخبار وطارت نفسه شعاعا ( ثانيها ) الاتباع والدعوة اليه ومن الأول تشييع المسافر وتشييع الجنازة ومن الثاني قولهم أشاع بالإبل أي دعاها إذا استأخر بعضها