الشيخ محمد رشيد رضا
489
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مأخوذ من كرب الأرض وهو إثارتها وقلبها بالحفر إذ الغم يثير النفس كذلك ، أو من الكرب ( بالتحريك ) وهو العقد الغليظ في رشاء الدلو ( حبله ) وقد يوصف الغم بأنه عقدة على القلب أي لما يشعر به المغموم من الضغط على قلبه والضيق في صدره ، أو من أكريت الدلو إذا ملأته ، أفاده الراغب . والمعنى ان اللّه ينجيكم المرة بعد المرة من تلك الظلمات ومن كل كرب يعرض لكم ، ثم أنتم تشركون به غيره بعد النجاة أقبح الشرك ، مخلفي وعدكم له بالشكر ، حانثين بما وكدتموه به من اليمين ، مواظبين على هذا الشرك مستمرين ، لا تكادون تنسونه الا عند ظلمة الخطب ، وشدة الكرب ، وأجلى شرككم أنكم تدعون أولياء من دون اللّه ، وتسندون إليهم الاعمال ان لم يكن بالاستقلال فبالشفاعة عند اللّه ، حتى إنكم لا تستثنون منها تلك النجاة . وهذه الحجة من أبلغ الحجج لمن تأملها ، ولذلك تكرر في التنزيل ذكرها ، وطالما ذكرناها في آيات التوحيد ودلائله ، وأقرب بسط لها ما أوردناه في تفسير الآيتين 40 و 41 من هذه السورة وفيه شواهد بمعنى هاتين الآيتين . فليراجع ( في ص 407 - 441 ج 7 تفسير ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( يُنَجِّيكُمْ ) * بالتشديد في الموضعين من التنجية والباقون بالتخفيف فيهما من الانجاء وهما لغتان في تعدية نجا ينجو ، يقال نجاه وأنجاه ونطق بهما القرآن في غير هاتين لآيتين أيضا ، ولكن في التشديد من المبالغة والدلالة على التكرار ما ليس في التخفيف . وقرا عاصم في رواية أبي بكر ( خِفية ) بكسر الخاء والباقون بضمها وهما لغتان كما تقدم . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ( أَنْجانا ) على الغيبة فعاصم فخمها والآخرون قرأوها بالإمالة ، وقرأ الباقون ( أنجيتنا ) على الخطاب . وهي مرسومة في المصحف الامام هكذا ( انحسا ) وقراءة الغيبة أقوى مناسبة للفظ ، والخطاب أشد تأثيرا في النفس ، * * * ( 65 ) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ( 66 ) وَكَذَّبَ بِهِ « تفسير القرآن الحكيم » « 62 » « الجزء السابع »