الشيخ محمد رشيد رضا

488

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والبحر قسمان ظلمات حسية كظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر ، وظلمات معنوية كظلمة الجهل بالطرق والمسالك ، وظلمة فقد الصوى والمنار ، أو اشتباه الاعلام والآثار ، وظلمة الشدائد والاخطار ، كالعواصف والأعاصير وهياج البحار ، أو مساورة الأفاعي والسباع ، أو مكافحة العدد الكثير من الأعداء ، وتسمية هذه الأمور المعنوية ظلمات من المجاز كتسمية الجهل والكفر والضلال بذلك - وهو كثير في التنزيل - ونقلوا أنه قيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب . وأقول لا يصح اطلاق الظلمة على كل شدة ، بل على الشدة التي لها عاقبة سيئة مجهولة تخشى ولا تعلم ، فهو يرجع إلى معنى الجهل . والتضرع المبالغة في الضراعة وهي الذل والخضوع ، وقال الراغب هو اظهار الضراعة بعد أن فسرها بالضعف والذل ، والاظهار قد يكون اظهار ما هو واقع وقد يكون اظهار ما هو غير واقع على سبيل الرياء ، والمراد بالتضرع هنا ما هو صادر عن الاخلاص الذي يثيره الايمان الفطري المطوي في أنفس البشر . والخفية بالضم والكسر الخفاء والاستتار ، فإذا كان التضرع اظهار الحاجة إلى اللّه تعالى والتذلل له بالجهر بالدعاء ، ورفع الصوت به مع البكاء ، فالخفية في الدعاء عبارة عن اسراره هربا من الرياء ، وهاتان حالتان تعرضان للانسان عند شعوره بالحاجة إلى اللّه تعالى ويأسه من الأسباب ، تارة يجأر بالدعاء رافعا صوته متضرعا مبتهلا . ونارة يسر الدعاء ويخفيه مخلصا محتسبا ، ويتحرى أن لا تسمعه أذن ، ولا يعلم به أحد ، ويرى أنه يكون بذلك أجدر بالقبول ، وأرجى لنيل السول ، والمعنى قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الغافلين عن أنفسهم ، وما أودع من آيات التوحيد في أعماق فطرتهم ، : من ينجيكم من ظلمات البر والبحر الحسية والمعنوية عندما تغشاكم في أسفاركم حال كونكم تدعونه عند وقوعكم في كل ظلمة منها دعاء تضرع ودعاء خفية قائلين لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي مقسمين هذا القسم في دعائكم : لئن أنجانا اللّه من هذه الظلمة أو الداهية المظلمة لنكونن من المتصفين بالشكر الدائم له ، المنتظمين في سلك أهله ، وفي قراءة ( لَئِنْ أَنْجَيْتَنا ) بالخطاب وسيأتي * * * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ الكرب الغم الشديد