الشيخ محمد رشيد رضا
485
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بأمره يعملون ، وبتسخيره يتصرفون ، لا يعتدون في تنفيذ ارادته ولا يفرطون ، والتفريط التقصير بنحو التواني والتأخير ( وتقدم تحقيق معناه في تفسير « 38 ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » ( ص 394 ) وقرأ الأعرج يفرطون من الافراط المقابل للتفريط أي لا يتجاوزون ولا يعتدون فيه ، ومعناه صحيح ولكن الحاجة إلى نفى الافراط غير قوية ، والآية تدل على عصمة الملائكة كما قال المفسرون * * * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ الظاهر المتبادر أن المعنى ثم يرد أولئك الذين تتوفاهم الرسل إلى اللّه الذي هو مولاهم الحق ليحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم فيكون بمعنى آية ألم السجدة ( 32 : 11 ) التي تقدمت آنفا . وقيل إن المعنى ثم يرد أولئك الرسل إلى ربهم بعد اتمام ما وكل إليهم بموت جميع الناس فيموتون هم أيضا ، ذكره الرازي وهو ضعيف من وجوه - منها مخالفته لآية السجدة ، ومنها ان الكلام في البشر وبيان الدين لهم وإقامة حججه عليهم ، ومنها ان الحساب الذي ختمت بذكره الآية حساب البشر لا حساب ملك الموت وأعوانه . وفي الجملة مباحث لفظية ومعنوية يتضح بها ما فيها من البلاغة ( الأول ) إن في الكلام التفاتا من الخطاب إلى الغيبة لان ما قبله خطاب منه سبحانه للمكلفين ، والتفاتا آخر من التكلم إلى الغيبة وإلا لقال ثم رددناكم أورددناهم على الالتفات - الخ ونكتة الالتفات تفهم من المباحث الأخرى ( الثاني ) انه جعل فعل الرد مبنيا للمفعول للدلالة على أن له تعالى رسلا أخرى - والظاهر أنهم غير رسل الموت ورسل الحفظ - يردون العباد اليه بعد البعث عندما يحشرونهم بأمره للحساب والجزاء ، وهذه أظهر نكت الالتفات ( الثالث ) ذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في قوله « رُدُّوا » للكل المدنول عليه بأحد من قوله « إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ » وان هذا هو السر في مجيئه بطريق الالتفات والافراد أولا والجمع آخرا ، لوقوع التوفي على الافراد والرد على الجملة والمجموع . ونحن نرى أنه لا حاجة إلى تكلف القول برجوعه إلى الكل المدلول عليه بأحد ، والالتفات عبارة عن جعل ضمير الخطاب الذي للجماعة ضمير غيبة لهم ( الرابع ) ان هذا الرد يكون بعد البعث فكان الأصل أن يعبر عنه بفعل