الشيخ محمد رشيد رضا
484
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً 14 اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً * ( 18 : 47 وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ قرأ حمزة « توفاه » بألف ممالة بعد الفاء والباقون « تَوَفَّتْهُ » بالتاء بعد الفاء ورسمهما في مصحف الامام واحد هكذا « تَوَفَّتْهُ » لان الألف رسمت ياء كأصلها والمعنى انه تعالى يرسل عليكم حفظة من الملائكة يراقبونكم ويحصون عليكم أعمالكم مدة حياتكم حتى إذا جاء أحدكم الموت وانتهى عمله توفته أي قبضت روحه رسلنا الموكلون بذلك من الملائكة ، وهؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت الذي قال اللّه فيه ( 32 : 11 قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) فالأرواح أصناف كثيرة لكل منها مستقر في البرزخ يليق به ، وللموت أصناف كثيرة لكل منها سنن ونظام في الحياة خاص به ، فقبض الألوف من الأرواح في كل لحظة ووضعها في المواضع اللائقة بها عمل عظيم واسع النطاق يقوم بادارته ونظامه رسل كثيرون . وكل عمل منظم لا بد أن تكون له جهة وحدة هي مكان الرياسة والنظام منه ، روى ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس انه سئل عن ملك الموت أهو وحده الذي يقبض الأرواح ؟ قال هو الذي يلي أمر الأرواح وله أعوان على ذلك - وقرأ الآية ثم قال - غير أن ملك الموت هو الرئيس . الخ وروي عن إبراهيم النخعي ومجاهد وقتادة ان الأعوان يقبضون الأرواح من الأبدان ثم يدفعونها إلى ملك الموت ، فكل منهما متوف ، وعن الكلبي أن ملك الموت هو الذي يتولى القبض بنفسه ويدفعها إلى الأعوان فإن كان الميت مؤمنا دفعها إلى ملائكة الرحمة وان كان كافرا دفعها إلى ملائكة العذاب أي وهم يذهبون بالأرواح إلى حيث يوجههم بأمر اللّه تعالى وقد أسند التوفي إلى اللّه تعالى في آية الزمر التي ذكرناها في أول تفسير الآية التي قبل هذه ( ص 479 ) إما على أنه هو الآمر لملك الموت ولاعوانه جميعا بذلك - وهو ما صرحوا به - واما على أنه هو الفاعل الحقيقي والمسخر لملك الموت وأعوانه ، فهم