الشيخ محمد رشيد رضا

483

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون » وروي بلفظ « والملائكة يتعاقبون فيكم » بواو وبغير واو « 1 » لكن لم يرد ذلك في تفسير آية الرعد . فإذا كان هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكاتبين فلا محل لاختلاف العلماء في تجددهم وتعاقبهم . وذكروا من الحكمة في كتابة الاعمال وحفظها على العاملين ان المكلف إذا علم أن أعماله تحفظ عليه وتعرض على رؤوس الاشهاد كان ذلك أزجر له عن الفواحش والمنكرات ، وأبعث له على التزام الاعمال الصالحات ، فإن لم يصل إلى مقام العلم الراسخ الذي يثمر الخشية للّه عز وجل والمعرفة الكاملة التي تثمر الحياء منه سبحانه والمراقبة له يغلب عليهم الغرور بالكرم الإلهي والرجاء في مغفرته ورحمته تعالى فلا يكون لديهم من خشيته والحياء منه ما يزجرهم عن معصيته كما يزجرهم توقع الفضيحة في موقف الحساب على أعين الخلائق وأسماعهم . وزاد الرازي احتمال أن تكون فائدتها أن توزن تلك الصحف لان وزنها ممكن ووزن الاعمال غير ممكن . كذا قال وهو احتمال ضعيف بل لا قيمة له لأنه مبني على تشبيه وزن اللّه للأمور المعنوية بوزن البشر للأثقال الجسمية أما بيان هذه الحكمة على الطريقة التي جرينا عليها في بيان حكمة مقادير الخلق فتعلم مما مر هنالك ، واما على طريقة من يقولون أن المراد بكتابة الاعمال حفظ صورها وآثارها في النفس فهي انها تكون المظهر الأتم الاجلى لحجة اللّه البالغة - فإذا وضع كتاب كل أحد يوم الحساب ونشرت صحفه المطوية في سريرة نفسه تعرض عليه أعماله فيها بصورها ومعانيها فتتمثل لذاكرته ولحسه الظاهر والباطن كما عملها في الدنيا لا يفوته شيء من صفاتها الحسية ولا المعنوية - كاللذة والألم - فيكون حسيبا على نفسه ، وعلى عين اليقين من عدل اللّه وفضله ، ( 17 : 13 وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ

--> ( 1 ) قيل إن الرواية الأولى مختصرة من هذه وقيل إنها وردت بلغة بني الحارث التي يعبر عنها النحاة بلغة « أكلوني البراغيث » إضافة إلى هذه الجملة التي سمعت عن بعضهم