الشيخ محمد رشيد رضا
474
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليه وسلم في أول أمره كوشف بالقلم إذ أنزل عليه ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) فقال السالك لقد فتحت بصرى وحدقته فو اللّه ما أرى قصبا ولا خشبا ولا أعلم قلما الا كذلك ، فقال القلم لقد أبعدت النجعة اما سمعت ان متاع البيت يشبه رب البيت ؟ أما علمت أن اللّه تعالى لا تشبه ذاته سائر الذوات ، فكذلك لا تشبه يده الأيدي ولا قلمه الأقلام ، ولا كلامه سائر الكلام ، ولا خطه سائر الخطوط ، وهذه أمور الهية من عالم الملكوت فليس اللّه تعالى في ذاته بجسم ولا هو في مكان بخلاف غيره ، ولا يده لحم وعظم ودم بخلاف الأيدي ، ولا قلمه من قصب ، ولا لوحه من خشب ، ولا كلامه بصوت وحرف ، ولا خطه رقم ورسم ، ولا حبره زاج وعفص ، فان كنت لا تشاهد هذا هكذا فما أراك الا مخنثا بين فحولة التنزيه وانوثة التشبيه ، مذبذبا بين هذا وذا ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فكيف نزهت ذاته وصفاته تعالى عن الأجسام وصفاتها ، ونزهت كلامه عن معاني الحروف والأصوات وأخذت تتوقف في يده وقلمه ولوحه وخطه ؟ فان كنت قد فهمت من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ان اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » الصورة الظاهرة المدركة بالبصر فكن مشبها مطلقا كما يقال : كن يهوديا صرفا والا فلا تلعب بالتوراة . وان فهمت منه الصورة الباطنة التي تدرك بالبصائر لا بالابصار فكن منزها صرفا ومقدسا فحلا ، واطو الطريق فأنت بالواد المقدس طوى ، واستمع بسر قلبك لما يوحى ، فلعلك تجد على النار هدى ، ولعلك من سرادقات العرش تنادى بما نودي به موسى ( إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ) فلما سمع السالك من العلم ذلك استشعر قصور نفسه وانه مخنث بين التشبيه والتنزيه ، فاشتعل قلبه نارا من حدة غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص ، ولقد كان زيته الذي في مشكاة قلبه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ، فلما نفخ فيه العلم بحدته شتعل زيته فأصبح نورا على نور . فقال له العلم اغتنم الآن هذه الفرصة وافتح بصرك لعلك تجد على النار هدى ، ففتح بصره فانكشف له القلم الإلهي فإذا هو كما وصفه أهل العلم في التنزيه ما هو من خشب ولا قصب ، ولا له
--> ( 1 ) رواه أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة بلفظ « خلق اللّه آدم على صورته » قيل إن الضمير في صورته لآدم اى صورته المعهودة لم يتغير من طور إلى آخر وقيل إنه قاله لمن ضرب عبده فالضمير للعبد ولكن ورد في رواية اخري « على صورة الرحمن »