الشيخ محمد رشيد رضا
475
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رأس ولا ذنب ، وهو بكتب على الدوام في قلوب البشر كلهم أصناف العلوم ، وكأن له في كل قلب رأسا ولا رأس له ، فقضي منه العجب ، وقال نعم الرفيق العلم فجزاه اللّه عنى خيرا إذ الآن ظهر لي صدق انبائه عن أوصاف القلم فاني أراه قلما لا كالاقلام فعند هذا ودع العلم وشكره وقال قد طال مقامي عندك ومرادتي لك وأنا عازم على أن أسافر إلي حضرة القلم وأسأله عن شأنه ، فسافر اليه وقال له ما بالك أيها القلم تخط على الدوام في القلوب من العلوم ما تبعث به الإرادات إلى إشخاص القدر وصرفها إلى المقدورات ؟ فقال أو قد نسيت ما رأيت في عالم الملك والشهادة وسمعت من جواب القلم إذ سألته فأحالك على اليد ؟ قال لم أنس ذلك ، قال فجوابي مثل جوايه ، قال كيف وأنت لا تشبهه ؟ قال القلم اما سمعت أن اللّه تعالى خلق آدم على صورته ؟ قال نعم ، قال فسل عن شأني الملقب بيمين الملك فانى في قبضته وهو الذي يرددنى وأنا مقهور مسخر فلا فرق بين القلم الإلهي وقلم الآدمي في معنى التسخير وانما الفرق في ظاهر الصورة ، فقال : فمن يمين الملك ؟ فقال القلم : أما سمعت قوله تعالى ( وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) قال نعم والأقلام أيضا في قبضة يمينه هو الذي يرددها . فسافر السالك من عنده إلى اليمين حتى شاهده ورأى من عجائبه ما يزيد على عجائب القلم ولا يجوز وصف شيء من ذلك ولا شرحه بل لا تحوي مجلدات كثيرة عشر عشير وصفه ، والجملة فيه انه يمين لا كالايمان ويد لا كالأيدي وأصبع لا كالأصابع ، فرأى القلم محركا في قبضته ، فظهر له عذر القلم ، فسأل اليمين عن شأنه وتحريكه للقلم ، فقال جوابي مثل ما سمعته من اليمين التي رأيتها في عالم الشهادة وهي الحوالة على القدرة إذ اليد لا حكم لها في نفسها وانما محركها القدرة لا محالة ، فسافر السالك إلى عالم القدرة ورأى فيه من العجائب ما استحقر عندها ما قبله ، وسألها عن تحريك اليمين . فقالت انما أنا صفة فاسأل القادر إذ العمدة على الموصوفات لا على الصفات وعند هذا كاد أن يزيغ ويطلق بالجراءة لسان السؤال ، فثبت بالقول الثابت ونودي من وراء حجاب سرادقات الحضرة ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) فغشيته هيبة الحضرة فخر صعقا يضطرب في غشينته ، فلما أفاق قال : سبحانك ما أعظم شانك تبت إليك وتوكلت عليك ، وآمنت بأنك الملك الجبار ، الواحد القهار ، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك ، ولا أعوذ الا بعفوك من عقابك ،