الشيخ محمد رشيد رضا

459

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فهم علماء الكلام والحكماء للآية قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير الذي سماه ( مفاتح الغيب ) ما نصه : « اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ) يعني انه سبحانه هو العالم بكل شئ فهو يعجل ما تعجيله أصلح ويؤخر ما تأخيره أصلح وفي الآية مسائل « ( المسألة الأولى ) المفاتح جمع مفتح ومفتح والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح قال الفراء في قوله تعالى ( ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ ) يعنى خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد منه الخزائن . أما علي التقدير الأول فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لان المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالاغلاق والاقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الاغلاق والاقفال يمكنه ان يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقريء مفاتيح . وأما علي التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب ، فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة علي كل الممكنات كما في قوله ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) « وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع علي أصولهم فإنهم قالوا ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة ، قالوا وإذا ثبت هذا فقول الموجود اما أن يكون واجبا لذاته واما أن يكون ممكنا لذاته ، والواجب لذاته ليس الا اللّه سبحانه وتعالى وكل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد الا بتأثير الواجب لذاته ، وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بايجاده كائن بتكوينه واقع بايقاعه ، اما بغير واسطة واما بواسطة واحدة واما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا ، إذا ثبت هذا فنقول علمه بذاته يوجب علمه بالأثر الأول الصادر منه ، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب علمه بالأثر الثاني لان الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني ، وقد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب