الشيخ محمد رشيد رضا

460

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ليس لا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر ، ولما كان علمه بذاته لم يحصل الا لذاته لا جرم صح أن يقال ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة « ثم اعلم أن ههنا دقيقة أخرى وهي أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال الا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الاعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة ومثل هذا الانسان يكون كالنادر وقوله ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) قضية عقلية محضة مجردة فالانسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدا ، والقرآن انما أنزل لينتفع به جميع الخلق فههنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة ، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالا من الأمور المحسوسة الداخلية تحت القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوما لكل أحد والامر في هذه الآية ورد على هذا القانون لأنه قال أولا ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزيء محسوس فقال ( وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) وذلك لان أحد أقسام معلومات اللّه هو جميع دواب البر والبحر والحس والخيال قد وقف على عظمة أحوال البر والبحر فذكر هذا المحسوس ، يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول ، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى قدم ذكر البر لان الانسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن . وأما البحر فاحاطة العقل بأحواله أقل الا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر ، وطولها وعرضها أعظم ، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب ، فإذا استحضر الخيال صورة البحر والبر على هذه الوجوه ثم عرف ان مجموعها قسم حقير من الاقسام الداخلة تحت قوله ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) فيصير هذا المثال المحسوس مقويا ومكملا للعظمة الحاصلة تحت قوله ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ) بذكر البر والبحر