الشيخ محمد رشيد رضا
454
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ببينة البينات ، على أظهر الحقائق وأبين الهدايات ، ثم تطمعون ان اتبعكم على ضلال مبين ، لا بينة لكم عليه الا محض التقليد ، وما كان التقليد بينة من البينات ، وإنما هو براءة من الاستدلال ، ورضاء بجهل الآباء والأجداد ، ؟ فالكلام حجة مسكتة مبكتة على ما قبلها من نفي عبادته ( ص ) للذين يدعونهم من دون اللّه ، وقيل إن المعنى وكذبتم بربي أي بآياته أو بدينه ، والا فان القوم كانوا يؤمنون بأن اللّه هو ربهم ورب السماوات والأرض وما بينهما والقرآن ناطق بذلك ، وفسر بعضهم التكذيب بالرب باتخاذ شريك له ، ولم يكن اتخاذهم الشركاء تكذيبا بالربوبية إذ لم يكونوا يقولون إن غيره تعالى يخلق معه أو يرزق ، وانما كانوا يدعون غيره ليقربهم اليه ويشفع لهم عنده ، وهذا الدعاء عبادة وشرك بالإلهية ، لا تكذيب بالربوبية . ولما ذكر بينته وتكذيبهم به قفى عليه برد شبهة تخطر عند ذلك بالبال ، ومن شأنها أن يقع عنها منهم السؤال ، وهي ان القرآن أنذرهم عذابا يحل بهم ، إذا أصروا على عنادهم وكفرهم ، ووعد بأن ينصر رسوله عليهم ، وقد استعجلوا النبي ( ص ) ذلك فكان عدم وقوعه شبهة لهم على صدق القرآن ، لجهلهم بسنن اللّه تعالى في شؤون الانسان ، فأمر اللّه تعالى رسوله أن يقول لهم ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي ليس عندي ما تطلبون أن يعجل اللّه لكم من وعيده ، ولم أقل لكم ان اللّه فوض أمره اليّ حتى تطالبوني به وتعدون عدم ايقاعه حجة على تكذيبه إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي ما الحكم في ذلك وفي غيره من التصرف في شؤون الأمم الا للّه وحده ، وله في ذلك سنن حكيمة ومقادير منتظمة تجري عليها أفعاله ، وآجال مسماة تقع فيها فلا يتقدم شيء عن أجله ولا يتأخر ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ * وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) * يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ قرأ ابن كثير ونافع وعاصم « يقص » من القصص وهو ذكر الخير أو تتبع الأثر ، أي يقص على رسوله القصص الحق في جميع أخباره ووعده ووعيده ، أو يتتبع الحق ويصيبه في أقواله وأفعاله التي يتصرف بها في عباده ، وقرأه الباقون « يقض » من القضاء وأصله يقضي بالياء فحذفت الياء في الخط كما حذفت في اللفظ لالتقاء الساكنين ، ولما كانت المصاحف غير منقوطة كانت الكلمة في