الشيخ محمد رشيد رضا
455
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المصحف الامام هكذا ( ) فاحتملت القراءتين ، وحذف حرف المد معهود في المصحف ومنه ( وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ) ومعناه يقضي في أمركم وغيره القضاء الحق ، أو ينفذ الامر ويفصله بالحق ، وهو خير الفاصلين في كل أمر ، لأنه الحكم العدل ، المحيط علمه والنافذ حكمه في كل شيء . وتقدم تحقيق معنى القضاء في تفسير الآية الثانية من هذه السورة * * * قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي قل أيها الرسول لهؤلاء الذين يستعجلونك بالعذاب كقولهم ( 8 : 32 اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) : لو أن عندي ما تستعجلون به بأن كان مما جعله اللّه في مكنتي وتصرفي بقدرتي الكسبية أو بجعله آية خاصة بي لقضي الامر بيني وبينكم بإهلاكي للظالمين منكم الذين يصدونني عن تبليغ دعوة ربي ، ويصدون الناس عني ، فان الانسان خلق من عجل وانما أستعجل انا باهلاك الظالمين منكم ما وعدني ربي من نصر المؤمنين المصلحين المظلومين ، وخذلان الكافرين المفسدين الظالمين ، وهو استعجال للخير ، وأنتم انما تستعجلون الشر لأنفسكم ، وتقطعون عليها طريق الهداية بامهال اللّه لكم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ الذين تمكن الظلم من أنفسهم وأحاط بها فلا رجاء برجوعهم عنه إلى الايمان والحق والعدل ، وبمن ألمّ بهم الظلم أو ألموابه ولكنه لم يمح نور الفطرة من أنفسهم ولم يذهب باستعدادهم للاهتداء إلى الحق الذي أدعوهم اليه . ولما كان سبحانه وتعالى أعلم بالظالمين لم يجعل أمر عقابهم اليّ فهو عنده لا عندي ، ولكل من عذاب الدنيا والآخرة أجل مسمى عنده يراه قريبا وترونه بعيدا ، وأيامه تعالى في عالم التكوين وشؤون الأمم ليست قصيرة كأيامنا بل طويلة ( 22 : 25 وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ 26 وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) فهو لا يؤخر ما وعد به إلى الاجل المسمى عنده لا لحكمة ( 7 : 33 وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) هذا ما ظهر لنا في قضاء الامر على تقدير كون ما يستعجلون به في مكنته صلّى اللّه تعالى عليه ، وآله وسلّم . وليس المراد به انه كان يهلكهم كلهم كما هلكت الأمم التي كذبت الرسل من قبلهم ، أي ليس المراد بما يقضي من الامر هنا عذاب الاستئصال ولا عذاب الآخرة وان كانوا قد