الشيخ محمد رشيد رضا
453
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ النهي الزجر عن الشيء بالقول - مثل لا تكذب واجتنب قول الزور - والكف عنه بالفعل ومنه قوله تعالى ( وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ) والدعاء النداء وطلب ايصال الخير أو دفع الضر من الأعلى وانما يكون عبادة إذا كان في أمر وراء الأسباب المسخرة للعباد التي ينالونها بكسبهم لها واجتهادهم فيها وتعاونهم عليها فان ما نعجز عن نيله بالأسباب المسخرة لنا لا نطلبه الا من الخالق المسخر للأسباب - وقد بينا ذلك مرارا كثيرة - فاللّه تعالى يقول لرسوله هنا قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين يدعون مع اللّه آلهة أخرى إني نهيت أن أعبد الذين تدعونهم وتستغيثونهم من دون اللّه أي غير اللّه من الملائكة وعباد اللّه الصالحين بله ما دونهم من الأصنام والأوثان التي لا علم لها ولا عمل . وهذا النهي يصدق بنهي اللّه تعالى إياه عن ذلك في آيات القرآن الكثيرة وأمره بضده وهو دعاء اللّه تعالى وحده ، وبنهي العقل والفطرة السليمة فان النبي ( ص ) كان قبل البعثة موحدا ، ولم يكن قط مشركا ، ولأجل هذا قال نهيت بالبناء للمفعول قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أي قل لهم لا أتبع أهواءكم في عبادتهم ولا في غيرها من أعمالكم التي تتبعون بها الهوى ، ولستم في شيء منها على بينة ولا هدى ، ولماذا ؟ لأنني ان اتبعتها فقد ضللت ضلالا أخرج به من جنس المهتدين فلا أكون منهم في شيء فان هذا الضلال لا يقاس بغيره لأنه هو الضلال البعيد عن صراط الهدى * * * قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي قل لهم أيها الرسول أيضا إني فيما أخالفكم فيه على بينة من ربي هداني إليها بالوحي والعقل ، والبينة كل ما يتبين به الحق ، من الحجج والدلائل العقلية ، والشواهد والآيات الحسية ، ومنه تسمية شهادة الشهود بينة ، والقرآن بينة مشتملة على أنواع كثيرة من البينات العقلية والكونية فهو على كونه من عند اللّه تعالى للقطع - بعجز الرسول كغيره عن الاتيان بمثله - مؤيد بالحجج والبينات المثبتة لما فيه من قواعد العقائد وأصول الهداية وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي والحال انكم كذبتم به أي بالقرآن الذي هو بينتي من ربي ، فكيف تكذبون أنتم