الشيخ محمد رشيد رضا
452
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المجرمين ، فيكون من عطف الخاص على العام . وقيل إنه علة لفعل مقدر هو عين المذكور ، أي ولأجل ان تستبين سبيل المجرمين نفصل الآيات ، وذلك أنه بين سبيل المؤمنين فعلم منه أن ما خالفه هو سبيل المجرمين ، لان الشيء يعرف بضده . بل بين قبله سبيل المجرمين من الكفار أيضا . وقال الزمخشري : ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين من هو مطبوع على قلبه لا يرجى إسلامه ، ومن يرى فيه أمارة القبول وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة ، ومن دخل في الاسلام الا انه لا يحفظ حدوده ، ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلا منهم بما يجب ان يعامل به فصلنا ذلك التفصيل . اه ويسرني ان هذا القول يؤيد ما قدمته في بيان أصناف الناس في زمن نزول السورة وما أرشدت اليه الآيات في معاملة كل صنف منهم وإن ما قلته خير مما قاله وللّه الحمد . وفي الآية من محاسن إيجاز القرآن ما لا يخفى . وسيأتي مثل هذا التعبير في قوله تعالى من هذه السورة ( وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) وقوله من سورة الأعراف ( وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ولا أذكر أن في القرآن غيرهما * * * ( 56 ) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 57 ) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ، ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ( 58 ) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ بعد أن أرشد اللّه تعالى رسوله إلى ما تقدم من سياسة المؤمنين ، وتبليغهم ما ذكر من أصول حكمة الدين ، عاد إلى تلقينه ما يحاج به المشركين ، من بلاغ الوحي وناصع البراهين ، فقال :