الشيخ محمد رشيد رضا

446

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 55 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ هاتان الآيتان متممتان للسياق فيما قبلهما بالجمع بين الارشاد السلبي والايجابي للرسول ( ص ) في سياسته للمؤمنين فبعد ان نهاه ربه عن طرد المستضعفين منهم من حضرته استمالة لكبراء المتكبرين من قومه وطمعا في اقبالهم عليه وسماعهم لدعوته وايمانهم به كما اقترح عليه بعضهم - أمره بأن يلقاهم كسائر المؤمنين بالتحية والسّلام والتبشير برحمة اللّه ومغفرته على الوجه المبين في الآية الأولى من هاتين الآيتين . وقد تقدم في سبب نزول ( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) من رواية عكرمة أن عمر بن الخطاب كان استحسن إجابة اشراف الكفار إلى اقتراحهم وانه لما نزلت الآيات في ذلك أقبل فاعتذر فنزلت هذه الآية في قبول اعتذاره ، وتقدم ان الرواية ضعيفة وان هذه الزيادة فيها غير مقبولة وان روايات نزول الانعام دفعة واحدة أقوى منها وهي معارضة لها . والآن رأيت في التفسير الكبير للرازي استشكال هذا باتفاق الناس على نزول هذه السورة دفعة واحدة ، وقد تقدم التحقيق في مسألة نزول السورة دفعة واحدة وفي زيادة رواية عكرمة . ويعارضه أيضا ما أخرجه جل رواة التفسير المأثور عن ماهان قال أتى قوم إلى النبي ( ص ) فقالوا إنا أصبنا ذنوبا عظاما ، فما رد عليهم شيئا فانصرفوا فأنزل اللّه ( وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ) الآية فدعاهم فقرأها عليهم . ولكن الرواية من مراسيل ماهان لا يحتج بها وليست صريحة كرواية عكرمة في معارضة نزول السورة دفعة واحدة إذ يجوز ان يكون النبي ( ص ) تلاها على من سألوه عن ذنوبهم عند نزولها في ضمن السورة ومثل هذا التعبير كثير في كلام رواة التفسير . والظاهر أن الآية نزلت في معاملة جميع المؤمنين لا في عمر وحده كما في رواية عكرمة ولا فيمن سألوه عن ذنوبهم كما في رواية ماهان - وان فرضنا صحة الروايتين - ولا فيمن نهي عن طردهم خاصة كما يقول بعض