الشيخ محمد رشيد رضا
447
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المفسرين ، بل في جماعة المؤمنين الذين كان أكثرهم من الفقراء المستضعفين الذين اقترح عليه ( ص ) طردهم فيدخلون فيها بمعونة السياق دخولا أوليا . وهذا ما تفهمه عبارتها وما سواه فمتكلف لتطبيقه على الروايات . وبعد كتابة ما تقدم والتوجه إلى بيان معنى الآية ومراجعة المصحف الشريف فيها وفيما قبلها كان أول ما تبادر إلى ذهني ان المراد بالذين يؤمنون بالآيات هنا هم الذين كانوا يدخلون في الاسلام آنا بعد آن ، عن بينة وبرهان ، لا من آمنوا وأسلموا من قبل ممن نهي عن طردهم وغيرهم ، ذلك بأن الفعل المضارع « يؤمنون » يفيد وقوع الايمان في الحال أو الاستقبال ، ولا يعبر به عمن آمنوا في الماضي الا بضرب من التجوز في الاستعمال ، - كما يعبر بالماضي عن المستقبل أحيانا لنكتة تقتضي ذلك - كإرادة تصوير ما مضى كأنه واقع الآن ، أو إفادة ما يتلو ذلك الماضي من التجدد والاستمرار ، ولا يظهر شيء من ذلك في هذه الآية ظهورا بينا يرجح صرف الفعل عن أصل معناه ، ولكن قد يراد به التعبير عن الشأن فإنه يكثر في الفعل المضارع إذا كان صلة للموصول ، « 1 » ويرجح الأصل هنا تطبيق السياق على حال الناس في زمن نزول السورة والجملة الشرطية التي افتتحت بها الآية ، واننا نبين ذلك بما يظهر به التناسب بين الآيات أتم الظهور : كان جمهور الناس كافرين إما كفر جحود وعناد ، وإما كفر جهل وتقليد للآباء والأجداد ، وكان يدخل في الاسلام الافراد بعد الافراد ، وكان أكثر السابقين من المستضعفين والفقراء ، وكان النبي ( ص ) يكون تارة مع هؤلاء المؤمنين يعلمهم ويرشدهم ، وتارة يتوجه إلى أولئك الكافرين يدعوهم وينذرهم ، وكان المعاندون من كبرائهم يقترحون عليه الآيات الكونية للتعجيز ، وتارة يحقرون شأنه بوجوده في عامة أوقاته مع أولئك الفقراء والمساكين ، وقد اقترحوا عليه طردهم من حضرته ،
--> ( 1 ) مثال هذا قوله تعالى ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ) الآية أي الذين من شانهم ذلك ، ومنه إذا رأيت الذين يدسون الدسائس ويلقون الفتن بين الناس فاعرض عنهم ، وأمثلة الأولين كثيرة في كلام المفسرين وشراح الحديث وغيره