الشيخ محمد رشيد رضا

445

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أولئك الأقوياء ما أعطوا من القوة والمال ، وتدول الدولة لهؤلاء الضعفاء من المؤمنين ، فيكونوا هم الأئمة الوارثين ، لان اللّه تعالى وفقهم للايمان بما في أنفسهم من الاستعداد للشكر وهو يوجب المزيد ( 14 : 9 وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) وكذلك كان ، وصدق وعد الرحمن ، وظهر اعجاز القرآن ، وما بعد بيان اللّه تعالى من بيان ، وإننا نرى الناس عن هدايته غافلون ، وبوجوه إعجازه جاهلون ، حتى أن فيمن يسمون المسلمين منهم ، من يفتتن بشبهة أولئك المشركين الداحضة ، فيجعلها حجة ناهضة ، تارة على تفضيل الأغنياء على الفقراء ، وتارة على تفضيل الأمم القوية على الأمم الضعيفة ، جاهلين ان الفضيلة الصحيحة في شكر النعم باستعمالها فيما يرضي الرب ، لا في أعيان النعم التي ترى في اليد ، فرب غني شاكر ، ورب فقير صابر ، وكم من منعم سلب النعمة بكفرها ، وكم من محروم أوتي النعم بالاستعداد لشكرها ، ثم زيدت بقدر شكره لها ، وكم من قوي أضعفه اللّه ببغيه ، وكم من ذليل أعزه اللّه بايمانه وعدله ، هذا وان ظاهر حكاية قول المفتونين من المشركين يدل على أن المراد بقوله ( فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) فتنا كبراء المشركين بضعفاء المؤمنين - أي اختبرنا به حالهم في كون تركهم للايمان لم يكن الاجحودا ناشئا عن الكبر والعلوّ في الأرض لا عن حجة ولا شبهة مما يظهرونه ، ومفهومه ان ضعفاء المؤمنين السابقين لم يفتتنوا بغنى كبراء المشركين وقوتهم ، وقد زعم بعض المفسرين انهم فتنوا وان لم تبين الآية كيف كان ذلك إذ لم تحك شيئا عن لسانهم . وقد ورد في الاختبار العام ، في سورة الفرقان ، ( 25 : 20 وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ ) أي جعلنا كلا منكم اختبارا للآخر في اختلاف حاله معه بالغنى والفقر ، أو القوة والضعف ، أو الصحة والمرض ، أو العلم والجبل ، أو غير ذلك : هذا يحنقر هذا ويبغي عليه ، وهذا يحسد هذا ويكيد له ، فاصبروا فإنه لا يسلم من هذه الفتن الا الصابرون . نسأل اللّه تعالى ان يجعلنا من الصابرين الشاكرين * * * ( 54 ) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ