الشيخ محمد رشيد رضا
438
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ أي ما عليك شيء مّا من أمر حساب هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي على دعائهم ولا غيره من أعمالهم الدينية - كما تدل على ذلك صلة الموصول - والا فظاهر تأكيد النفي عمومه ، كما أنه ليس عليهم شيء ما من أمر حسابك على أعمالك حتى يمكن أن يترتب على هذا أو ذاك طردك إياهم باساءتهم في عملهم أو في محاسبتك على عملك ، فان الطرد جزاء وانما يكون على عمل سيئ يستوجبه ولا يثبت الا بحساب ، والمؤمنون ليسوا عبيدا للرسل ولا أعمالهم الدينية لهم بل هي للّه تعالى يريدون بها وجهه لا أوجه الرسل وحسابهم عليه تعالى لا عليهم ، وانما الرسل هداة معلمون ، لا أرباب ولا مسيطرون ، ( 88 : 21 فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ 22 لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) وإذا لم يكن للرسل حق السيطرة على الناس ومحاسبتهم على أعمالهم فليس للناس عليهم هذا الحق بالأولى ، والمأثور عن النصارى ان المسيح عليه السّلام كان يسمى معلما وان أتباعه في عهده كانوا يسمون تلاميذ . وأما أتباع نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقد اختار لهم كلمة الأصحاب الدالة على المساواة تواضعا ، على أن من أصول شريعته الكاملة أنه ( ص ) مساو في أحكامها لسائر المؤمنين فيما يجب ويندب ويحل ويحرم ويباح ويكره الا ما خصه اللّه تعالى به من الاحكام . ولم تكن تلك الأحكام الخاصة من قبيل ما يعهد الناس من امتياز الملوك على الرعايا من أمور الأبهة ولزينة والعظمة الدنيوية والنعيم بل هي أحكام شاقة لا يقوى على القيام بها غيره صلّى اللّه عليه وسلم كوجوب قيام الليل عليه وكون ما يتركه صدقة للأمة لا إرثا لذريته ، وكفالته عدة أزواج من الأرامل أكثر هن مسنات يساوي بينهن وبين عائشة الجميلة الصورة البارعة الذكاء في كل ما يملك من نفسه وذات يده ( وحكمة تعددهن قد فصلناها في تفسير آية تعدد الزوجات من أول سورة النساء ) وقيل إن المراد هنا الحساب على الرزق والفقر إذ زعم المشركون ان أولئك الضعفاء ما آمنوا به ( ص ) الا لأنهم يجدون عنده رزقا وأنهم ليسوا بصادقين في إيمانهم ، فكأن اللّه تعالى يقول له ليس عليك من حساب رزقهم ولا عليهم من حساب رزقك شيء وانما يرزقكم اللّه جميعا . وحمل الآية على هذا ضعيف وان نقل