الشيخ محمد رشيد رضا

439

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن ابن زيد ، والأول منقول عن عطاء وعليه الجمهور ، وإذا صح ان كبراء المشركين طعنوا في ايمان ضعفاء المسلمين ، فالأقرب انهم قصدوا بذلك الكيد للتفرقة بينهم وبين الرسول ( ص ) وصد سائر الضعفاء عنه بأن عاقبتهم الطرد والابعاد ، كما يصدون الأقوياء والكبراء ، بإثارة الحمية والكبرياء ، فإن كان فيهم من أساء الظن ببعض أولئك السابقين الكرام لاحتقارهم إياهم فإنما كان في أول العهد باسلامهم ، قبل ان كان ما كان من فتنتهم ، فقد فتنوهم بأنواع من العذاب ليرجعوا إلى الشرك ، كالجوع والحبس والضرب ، بل كانوا يكوون بعضهم بالنار كما فعلوا بآل ياسر ، أو بوضعهم عراة الأبدان على الرمل المحمي بهجير الصيف كما فعلوا ببلال . وقوله تعالى فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ جواب للنهي عن الطرد ، واما قوله قبله « فَتَطْرُدَهُمْ » فهو جواب لنفي الحساب تنتهي به الجملة الاعتراضية المعللة لعدم جواز الطرد بيناء نفيه على نفي سببه الذي يتوقف جوازه عليه . وجوز الزمخشري وغيره عطف الثاني على الأول ، وأورد عليه ايرادات أجيب عنها بسهولة ، وجوز بعضهم كون الأول جواب النهي والثاني معطوفا عليه ، وأوردوا عليه ما لا يجاب عنه الا بتكلف . والمعنى على الأول - وهو الصحيح - : لا تطرد هؤلاء فتكون بطردك إياهم من جنس الظالمين ومعدودا في زمرتهم ، لان طردهم لا يكون حقا وعدلا الا إذا كان جزاء على اساءتهم في الاعمال التي يعملونها لمن له حق حسابهم وجزائهم عليها ، ولست أنت بصاحب هذا الحق ، حتى يتأتى ان تجري فيه على صراط العدل ، ذلك بأن عملهم هو عبادة للّه تعالى وحده يريدون بها وجهه ، فحسابهم وجزاؤهم عليه وحده ، كما قال نوح عليه السّلام ( إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ) . فوجه الكون من الظالمين ان الطرد لو حصل يكون حكما غير جائز ممن لا يملك الحكم لذاته ، « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ » واللّه لم يفوض اليه هذا النوع منه ، ثم إنه جائر في موضوعه ، مع كونه غير جائز في صورته وشكله ، إذ هو ظلم للمحكوم عليهم لأنهم أولى الناس بقربه ( ص ) والاستفادة منه ، وظلم لنفس الحاكم - وحاشا ان يقع منه - لأنه ينافي مصلحة الدعوة ، فلما كان ظلما من الجهات الثلاث قال فتكون من الظالمين ولم يقل فتظلمهم أو فتكون ظالما لهم أو فيكونوا من المظلومين .