الشيخ محمد رشيد رضا

42

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تعالى كان حراما والا كان مكروها . أقول وكان الأظهر أن يقال إن المحرم أن يحلف بغير اللّه تعالى حلفا يلتزم به فعل ما حلف عليه والبر به ، لأن الشرع جعل هذا الالتزام خاصا بالحلف به أي بأسمائه وصفاته ، فمن خالفه كان شارعا لشيء لم يأذن به اللّه . وبهذا يفرق بين اليمين الحقيقي وبين ما يجئ بصيغة القسم من تأكيد الكلام وهو من أساليب اللغة . وقد قالوا بمثل هذه التفرقة في الجواب عن قول النبي ( ص ) للاعرابي « أفلح وأبيه ان صدق » فقد ذكروا له عدة أجوبة منها نحو ما ذكرناه ، قال البيهقي ان ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم من دون قصد للقسم ، والنهي انما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف . قال النووي في هذا الجواب : انه هو الجواب المرضي . وأجاب بعضهم بقوله ان القسم كان يجري في كلامهم على وجهين للتعظيم وللتأكيد والنهي انما وقع عن الأول . وأقول إن هذا عندي بمعنى قول البيهقي ، وقيل إنه نسخ ، وقيل إنه خصوصية للنبي ( ص ) وقد ردوهما . والظاهر أن ما كان من حلف قريش بآبائها كان يقصد به التعظيم والتزام ما حلف عليه ، ولذلك كان من أسباب النهي ، والا فلأنهم مشركون غالبا روى أحمد والشيخان في صحيحهما عن ابن عمر أن النبي ( ص ) سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال « ان اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت » وفي لفظ « من كان حالفا فلا يحلف الا باللّه - فكانت قريش تحلف بآبائها فقال - لا تحلفوا بآبائكم » رواه مسلم والنسائي . وروى الشيخان عنه أيضا « من كان حالفا فلا يحلف الا باللّه » رفعه إلى النبي ( ص ) وهو حصر ، وفي معناه حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن حبان والبيهقي مرفوعا « لا تحلفوا الا باللّه ولا تحلفوا الا وأنتم صادقون » فهذه الأحاديث الصحيحة ولا سيما ما ورد بصيغة الحصر منها صريحة في حظر الحلف بغير اللّه تعالى ويدخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في عموم « غير اللّه تعالى » والكعبة وسائر ما هو معظم شرعا تعظيما يليق به ، ولا يجوز أن يعظم شيء