الشيخ محمد رشيد رضا

431

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أجدر من غيرهم بفهم حقيقة الرسالة والانتفاع بنذر الرسول فهي كقوله ( إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ) وقوله ( إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ) أي وانذر بما يوحى إليك جماعة المؤمنين بك الذين يخافون ان يحشروا إلى ربهم اي يخافون شدة وطأة الحشر ، والقدوم على اللّه عز وجل ، وما فيه من شدة الحساب ، وما يتبعه من الجزاء على الاعمال ، في يوم ( لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ ) ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) وكل يأتيه فيه فردا ليس له من دونه ولي ينصره ، ولا شفيع يدفع عنه ، إذ أمر النجاة متوقف على مرضاته عز وجل ، فان هؤلاء هم الذين يرجى أن يتقوا اللّه تعالى اهتداء بانذارك ويتحروا ما يؤدي إلى مرضاته ، لا يصدهم عن تقواه الاتكال على الأولياء ، ولا الاعتماد على الشفعاء ، لصحة توحيدهم ، وعلمهم ان الشفاعة للّه جميعا ( ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) وان نجاتهم وسعادتهم انما تكون بايمانهم واعمالهم ، وتزكيتهم لأنفسهم ، لا بانتفاعهم بصلاح غيرهم ، أو اعتمادهم على شفاعة الشفعاء لهم ، كالمشركين وغيرهم من الكافرين الذين جهلوا ان مدار سعادة الدنيا والآخرة على تزكي النفس وطهارتها بالايمان الصحيح والاخلاق الكريمة ، وما يلزمها من الأعمال الصالحة ، التي يترتب عليها رضاء اللّه عنها ، لا على امر خارج عن النفس لا تأثير له فيها . هذا ما يتبادر إلى الفهم من معنى الآية مؤيدا بآيات كثيرة أخرى بل بجملة الدين وكلياته التي أشرنا إليها آنفا . وبنحوه فسرها الحافظ ابن كثير في تفسيره المأثور وهاك نص عبارته : أي وانذر بالقرآن يا محمد الذين هم من خشية ربهم مشفقون ، الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ، الذين يخافون ان يحشروا إلى ربهم أي يوم القيامة ليس لهم أي يومئذ من دونه ولي ولا شفيع أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه ان أراده بهم ، لعلهم يتقون ، أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه الا اللّه عز وجل لعلهم يتقون فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم اللّه به يوم القيامة من عذابه ، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه . اه فالآية قد نزلت في انذار المؤمنين الذين يخافون اللّه ويرجونه ، وقد روي