الشيخ محمد رشيد رضا

432

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

احمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وغيرهم عن عبد اللّه بن مسعود أنها نزلت هي وما بعدها في صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين السابقين الأولين وسيأتي بيان ذلك ، ولما كانت نافية للشفاعة عنهم لجأ بعض مفسري الخلف إلى تأويلها ، وذهب بعضهم أنها لا تحتاج إلى تأويل « لان شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين انما تكون باذن اللّه لقوله ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) فلما كانت تلك الشفاعة باذن اللّه كانت في الحقيقة من اللّه تعالى » قاله الرازي في وجه نزول الآية في المؤمنين . وذكر فيها وجهين آخرين أحدهما أنها نزلت في الكفار وثانيهما انها عامة . ومن المعلوم ان كل ما يتعلق بالكفار في هذه السورة فالمراد به مشركو مكة وما حولها وانما يدخل فيه غيرهم بدلائل العموم ، وكان أولئك المشركون ينكرون الحشر ويثبتون الشفاعة عند اللّه لآلهتهم وأوليائهم الذين اتخذوا لهم التماثيل والأصنام ، كإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسّلام ، الا من شذ منهم فقال بالبعث ، ولا أذكر الآن انه كان في مكة أحد منهم عند نزول السورة ، ولا يعقل أن تكون الآية نزلت في انذار هذا الشاذ النادر ولكن ابا السعود تنطع في التأويل فذهب إلى أن الانذار هنا موجه « إلى من يتوقع منهم التأثر في الجملة وهم المجوزون منهم للحشر على الوجه الآتي سواء كانوا جازمين بأصله كاهل الكتاب وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام كالأولين ، أو في شفاعة الأصنام كالآخرين ، أو مترددين فيهما معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقا ، وأما المنكرون للحشر رأسا ، والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام ، فهم خارجون ممن أمر بانذارهم ، وقد قيل هم المفرطون في الاعمال من المؤمنين ، ولا يساعده سباق النظم الكريم ولا سياقه ، بل فيه ما يقضي باستحالة صحته ، كما ستقف عليه » - هذه عبارته - وقد جعل جملة ( لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ ) حالا من ضمير ( يُحْشَرُوا ) - قال - « والمعنى أنذر به الذين يخافون ان يحشروا غير منصورين من جهة أنصارهم على زعمهم . ومن هذا اتصح ان لا سبيل إلى كون المراد بالخائفين المفرطين من المؤمنين إذ ليس لهم ولي سواه تعالى يخافون