الشيخ محمد رشيد رضا
430
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ردا على المسألتين ان الآية لا تدل على أن النبي ( ص ) لم يكن يجتهد في الاحكام وان جميع أحكامه يجب أن تكون بالنص ، فان هذه الآية مكية نزلت في أوائل الاسلام ، حيث لا حكومة للاسلام ولا أحكام ، وحيث الدعوة الاسلامية قاصرة على أصول الدين وكلياته وهي التوحيد ولرسالة والبعث والجزاء ، والترغيب في الفضائل والعمل الصالح ، والتنفير عن الرذائل وعمل السوء ، ولا حاجة إلى الاجتهاد في شيء من ذلك ، ويقول مثبتو الاجتهاد له ( ص ) ان اللّه تعالى اذن له به عند الحاجة اليه ، واستدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى ( 4 : 105 إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ) أي بما أراكه فيه نصا أو دلالة واجتهادا ، وبينا في تفسيرها ان المانعين يستدلون بها أيضا وانها ليست نصا في المنع ولا الاثبات ( راجع ص 395 ج 5 تفسير ) وبينا هنالك ان آية النجم خاصة بالقرآن إذ لم يقل أحد ان النبي ( ص ) لم ينطق الا بالوحي ، بل ثبت ان الوحي كان ينقطع عنه أياما كثيرة ، وقد حكم ( ص ) في أسرى بدر باجتهاده وعاتبه اللّه تعالى على ذلك ولم يقره عليه . والقائلون بالمنع لا يحصرون الوحي في القرآن . وإذا كان حكمه ( ص ) بالاجتهاد فيما لا نص فيه من الوحي مبنيا على اذن اللّه تعالى له بالاجتهاد يكون متبعا فيه لما أوحي اليه وكذلك يقال في القياس : إذا ثبت الاذن به في كتاب اللّه تعالى أو على لسان رسوله ( ص ) يكون الحكم به اتباعا للوحي ، وثبوته في السنة يرجع إلى القرآن ، إذ أمر باتباع لرسول وشهد له بأنه لا يتبع الا ما يوحى اليه . وقد بينا ان القياس المنصوص على علته في الكتاب أو السنة وما قطع فيه بنفي الفارق هو القياس الصحيح الذي لا وجه للخلاف فيه - ومن العلماء من لا يسميه قياسا - وان قياس الشبه ونحوه من الأقيسة البعيدة عن النصوص لا دليل عليه ولا حجة فيه ، وراجع تفصيل القول في ذلك في تفسير الآية الثالثة والآية الرابعة بعد المئة من سورة المائدة * * * وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أمر اللّه تعالى رسوله بهذا الانذار الخاص بعد امره بتبليغ الناس حقيقة رسالته وكونها لا تستلزم ان يكون له من التصرف والعلم ما لا يكون الا للّه تعالى ولا ان يكون ملكا من الملائكة . والمناسبة بينهما ان الموصوفين بما ذكر في هذه الآية