الشيخ محمد رشيد رضا
429
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إليها هنا . وان نفي الملكية هنا وارد في بيان تحقيق معنى الرسالة ووظيفة الرسول ، وكونها لا تستلزم ان يقدر على ما لا يقدر عليه الا اللّه أوان يعلم بكسبه ما لا يعلمه الا اللّه ، ولا تستلزم أن يكون من الملائكة يقدر على ما يقدرون ويعلم ما يعلمون ، والأشاعرة لا ينكرون تفضيل الملائكة من هذه الجهة وانما يفضلون الأنبياء عليهم بكثرة الثواب في الآخرة لما احتملوه من المشقة في سبيل اللّه . . . والأولى ان يفوض هذا الامر إلى اللّه تعالى ولا يجعل محل القيل والقال إذ لا فائدة لنا في ذلك ، ولا علم لنا بما يترتب على أعمال الملائكة من الجزاء عند اللّه تعالى واستنبطوا من الآية أيضا أصلين من أصول الفقه وقواعد الشرع . قال الرازي في بيانهما : قوله ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ) ظاهره يدل على أنه لا يعمل الا بالوحي وهو يدل على حكمين : - ( الحكم الأول ) ان هذا النص يدل على أنه ( ص ) لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الاحكام وانه ما كان يجتهد ، بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي . ويتأكد هذا بقوله ( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) ( الحكم الثاني ) ان نفاة القياس قالوا : ثبت بهذا النص انه عليه السّلام ما كان يعمل الا بالوحي النازل عليه فوجب ان لا يجوز لاحد من أمته ان يعملوا الا بالوحي النازل عليه لقوله تعالى ( فَاتَّبِعُوهُ ) * وذلك ينفي جواز العمل بالقياس . ثم أكد هذا الكلام بقوله ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ) وذلك لان العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى ، والعمل بالوحي يجري مجرى عمل البصير . ثم قال ( أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ) والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل ان يعرف الفرق بين هذين البابين وان لا يكون غافلا عن معرفته واللّه أعلم اه كلامه أقر الرازي هنا هاتين المسألتين وأيدهما أشد التأييد ولم يحام عن القياس وهو الركن الذي بني عليه جل فقه أصحابه الشافعية والجمهور حتى كأنه من غلاة الظاهرية ، وقد حررنا هذه المسألة في هذا الجزء من التفسير ( السابع ) عند الكلام على قوله تعالى ( 5 : 104 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) بعد كلام في في ذلك في الجزء السادس عند تفسير ( 5 : 3 الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ونقول هنا