الشيخ محمد رشيد رضا
426
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أني عبد اللّه ورسوله ، وانما وظيفة العبد الطاعة ووظيفة الرسول التبليغ ، وعبر عن هذا بقوله : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ أي ما أفعل من حيث أنا عبد رسول إلا اتباع ما يوحيه إلي من أرسلني من تبليغ دينه بالتبشير والانذار والعمل به كما بينت لكم آنفا - أي في الآيتين اللتين قبل هذه الآية ثم قال عز وجل قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين هل يستوي أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم الذي دعوتكم اليه فلا يميز بين التوحيد والشرك ، ولا بين صفات اللّه وصفات الخلق ، المقلد في ضلاله وجهالاته ، لمن لا علم عنده ولا عقل من آبائه وأجداده ، وذو البصرة المهتدي اليه ، المستقيم في سبره عليه ، على بينة وبرهان ، يجعل ما يرى القلب أوضح مما ترى العينان ؟ الاستفهام انكاري أي لا يستويان كما أن أعمى العينين وبصيرهما لا يستويان ، بل الفرق بين الأولين أقوى وأظهر ، فكأين من أعمى العينين بصير القلب كان من أعلم العلماء واهدى الفضلاء ، وكأين من بصير العينين أعمى القلب هو أضل من الانعام ، ولذلك قال مقرعا لهم : ( أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ) أي في ذلك فتميزوا بين ضلالة الشرك وهداية الاسلام ، وتفرقوا بين صفات الرب الاله وصفات الانسان ، وتعقلوا حجة الرسالة مما في هذا القرآن ، من أنواع الهداية والعرفان ، واخبار الغيب التي لم يؤتها انس ولا جان ، على ما فيه من بلاغة البيان ، والأسلوب البديع الذي لم تعهدوه قبل الآن ، فمتى كان في قدرة مثلي شيء من ذلك ، ولقد لبثت فيكم عمرا من قبله يزيد على الأربعين سنة ، عاطلا من هذه البلاغة وهذه المعرفة ، هذه الآية حجة من حجج اللّه تعالى للمستقلين في هداية الدين ، على المقلدين فيه لآبائهم ومشايخهم الجاهلين ومن مباحث استنباط المذاهب في الآية ان المعتزلة استدات بها على تفضيل الملائكة على الأنبياء والرسل وناقشهم جمهور الأشاعرة في ذلك لمخالفته لمذهبهم ، وقد قرر الطوفي المسألة في تفسيره ( الإشارات الإلهية ، إلى المباحث الأصولية ) عند قوله « وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ » بقوله : يحتج به من يرى الملائكة أفضل من الأنبياء وقد سبق ذلك ، وتقريره ههنا ان الكفار كانوا يعقدون ان الملك أفضل