الشيخ محمد رشيد رضا
422
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللّه تعالى أمر دينه - قادرا على ما لا يقدر عليه البشر من التصرف في المخلوقات بالأسباب ، فضلا عن التصرف الذاتي بغير سبب الذي طلبه المشركون منه ، وجعلوه شرطا للايمان له ، كتفجير الينابيع والأنهار من أرض مكة وايجاد الجنات والبساتين فيها ، واسقاط السماء عليهم كسفا ، والاتيان باللّه والملائكة قبيلا ، وغير ذلك مما اقترحوه وحكاه اللّه تعالى عنهم في سورة الإسراء وغيرها . بدأ بنفي القدرة على التصرف فيما ليس من شأن البشر التصرف فيه لعدم تسخير اللّه تعالى إياه لهم باقدارهم على أسبابه . وثنى بنفي علم الغيب الخاص باللّه تعالى فقال « وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ » أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب وهو ما حجب اللّه علمه عن الناس بعدم تمكينهم من أسباب العلم به ككونه مما لا تدركه مشاعرهم الظاهرة ولا الباطنة لأنها لم تخلق مستعدة لادراكه ولا لطرق الاستدلال عليه ، أو لأنها مستعدة له بالقوة غير متمكنة من أسبابه بالفعل كعالم الآخرة . فالغيب من جنس المعلومات ، كخزائن اللّه من جنس المقدورات ، يراد بهما ما اختص باللّه تعالى فلم يمكن عباده من علمه والتصرف فيه ، أي لم يعطهم القوى ولم يسخر لهم الأسباب الموصلة إلى ذلك . والغيب قسمان غيب حقيقي مطلق وهو ما غاب علمه عن جميع الخلق حتى الملائكة وفيه يقول اللّه عز وجل ( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) وغيب إضافي وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره ولا يعلمه البشر مثلا ، وأما ما يعلمه بعض البشر بتمكينهم من أسبابه واستعمالهم لها ، ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها ، فلا يدخل في عموم معنى الغيب الوارد في كتاب اللّه ، وهذه الأسباب منها ما هو علمي كالدلائل العقلية والعلمية ، فان بعض علماء الرياضيات وغيرها يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس ، ويضبطون ما يقع من الخسوف والكسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه بالألوف من الأعوام ، ومنها ما هو عملي كالتلغراف الهوائي أو اللاسلكي الذي يعلم المرء به بعض ما يقع ما في أقاصي البلاد وأجواز البحار التي بينه وبينها ألوف من الأميال ، ومنها ما قد يصل إلى حد العلم من