الشيخ محمد رشيد رضا

423

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الادراكات النفسية الخفية كالفراسة والإلهام - وأكثر هذا النوع من الانكشاف لوائح تلوح للنفس لا تجزم بها الا بعد وقوعها - فما يصل منها إلى حد العلم الذي تجزم به صاحبه لاستكمال شروطه يشبه ما ينفرد بادراكه بعض الممتازين بقوة الحاصة كزرقاء اليمامة التي كانت ترى على بعد عظيم ما لا يراه غيرها ، أو بقوة بعض المدارك العقلية كالعلماء الذين أشرنا إليهم آنفا . وأظهر شروط هذا النوع من الادراك قوة الاستعداد الفطرية في النفس لذلك وتوجه النفس إلى المدرك توجها قويا لا يعارضه اشتغال قوي بغيرها من المدركات ، وكثيرا ما يقع هذا في حال مرض عصبي أو انفعال نفسي قوي يحصرهم النفس كله فيه . وقد تقدم في تفسير ( 9 وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ) من هذه السورة في هذا الجزء كلام نفيس في هذه الادراكات الخفية الخاصة ، ومن الناس من يعدها من خوارق العادات لخفاء أسبابها عنه ، ويرده انها مما يكثر ويتكرر حتى صار معتادا من أهله الكثيرين المختلفين في الملل والنحل والاخلاق والآداب ، وما كان كذلك لا يكون من الخوارق كما قال محيي الدين ابن العربي . ولكنا مع هذا نقول إن بعضه يصح ان يسمى كرامة كما يعلم من تفسيرنا للآية التاسعة من هذه السورة فان قيل قد علمنا أن الرسالة الإلهية لا تتوقف على إقدار الرسول على التصرف في المخلوقات من غير طريق الأسباب التي سخرها اللّه للناس لأن موضوعها علمي تعليمي فهي عبارة عن تبليغ ما علمه اللّه للرسول بوحيه اليه وليس من موضوعها تغيير شيء من خلق اللّه ، ولذلك لم يعط اللّه تعالى أحدا من رسله قدرة على هداية أحد بالفعل ، قال تعالى لخاتم رسله ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . - وقال له - إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) ولو كان لهم شيء من التصرف في الخلق لجعله نوح نبي اللّه في هداية ولده ، وإبراهيم خليل اللّه في هداية أبيه آزر ، ولكن علم الغيب من موضوع الرسالة فان أصل موضوعها رؤية الملائكة والتلقي عنهم وذلك من عالم الغيب الذي أمرنا بالايمان به اتباعا للرسول ( ص ) الذي رأي بعينيه وسمع بأذنيه ووعى بقلبه ، وقد أثبت تعالى علم الغيب المتعلق بالرسالة للرسل عليهم السّلام فقال في آخر سورة الجن ، ( 72 : 26 عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً 27