الشيخ محمد رشيد رضا
414
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأجدادهم ، وتقبيح الطاعة والانقياد إلى رجل منهم لا مزية له عليهم ، وقد فصلنا القول من قبل في تزيين أعمال الناس إليهم وما ينسب منها إلى الشيطان لقبحه ، وما ينسب إلى اللّه تعالى لأنه تعبير عن خلقه وتقديره وسننه في عباده ، وما يحسن اسناده إلى المجهول ، فيراجع في تفسير ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ) من جزء التفسير الثالث * * * فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي فلما أعرضوا عما أنذرهم ووعظهم به الرسل وتركوا الاهتداء به حتى نسوه أو جعلوه كالمنسيّ في عدم الاعتبار والاتعاظ به لاصرارهم على كفرهم ، وجمودهم على تقليد من قبلهم ؛ بلوناهم بالحسنات بما فتحنا عليهم من أبواب كل شيء من أنواع سعة الرزق ورخاء العيش وصحة الأجسام ، والامن على الأنفس والأموال ، كما قال تعالى في قوم موسى ( 7 : و 168 وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) فلم يتربوا بالنعم ، ولا شكروا المنعم ، بل افادتهم النعم فرحا وبطرا ، كما افادتهم الشدائد قسوة وأشرا . حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا منها ، فسقوا عن أمر ربهم بطرا وغرورا بها أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ أي أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم أو حال كونهم مبغوتين إذ فجأهم على غرة من غير سبق أمارة ولا امهال للاستعداد أو للهرب ، فإذا هم مبلسون أي متحسرون يائسون من النجاة . أو هالكون منقطعة حججهم . والابلاس في اللغة اليأس والقنوط من الخير والرحمة ، والتحير والدهشة ، وانقطاع الحجة ، والسكوت من الحزن أو الخوف والغم ، واستشهدوا له بقول العجاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرما * قال نعم أعرفه ، وأبلسا ولقولهم : أبلست الناقة إذا لم ترغ من شدة الضبعة ، وهي بالتحريك شدة شهوة الفحل . يقال ضبعت الناقة ضبعا وضبعة ( من باب فرح ) والآية تفيدان البأساء والضراء ، وما يقابلهما من السراء والنعماء ، مما يتربى ويتهذب به الموفقون من الناس ، والا كانت النعم ، أشد وبالا عليهم من النقم ، وهذا ثابت بالاختيار ، فلا خلاف في أن الشدائد مصلحة للفساد ، وأجدر الناس بالاستفادة من