الشيخ محمد رشيد رضا
413
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تقابلها كالنعماء . وأما الضر فيقابله النفع . وفسر ابن جرير البأساء بشدة الفقر والضيق في المعيشة والضراء بالاسقام والعلل العارضة في الأجسام ، ونقل نحوه الرازي عن الحسن . وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ان البأساء خوف السلطان وغلاء السعر . والأقوال في الكلمتين متقاربة والفرق بينهما - كما أفهم - ان البأساء ما يقع في الخارج من الأمور الشديدة الوقع على من يمسه تأثيرها كالحرب الحاضرة الآن فان وقعها أليم شديد على من أصيبوا بفقد أولادهم أو تخريب بلادهم أو ضيق معايشهم ، وأما الضراء فهي كل ما يؤلم النفس ألما شديدا سواء كان سببه نفسيا أو بدنيا أو خارجيا - فعلى هذا تكون البأساء من أسباب الضراء . وقالوا إنهما جاءتا على وزن حمراء ولم يرد في مذكرهما وزن أحمر صفة بل ورد اسم تفضيل . والتضرع إظهار الضراعة بتكلف أو تكثر وهي الضعف أو الذل والخضوع ومعنى الآية : نقسم اننا قد أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك فدعوهم إلى توحيدنا وعبادتنا فلم يستجيبوا لهم فأخذناهم أخذ ابتلاء واختبار بالبأساء والضراء ليكون ذلك معدا لهم لما يترتب عليه بحسب طباع البشر وأخلاقهم ، من التضرع والجؤار بالدعاء لربهم ، إذ مضت سنتنا يجعل الشدائد مربية للناس ، بما ترجع المغرورين عن غرورهم ، وتكف الفجار عن فجورهم ، فما أجدرها بارجاع أهل الأوهام ، عن دعاء أمثالهم من البشر دع ما دونهم من الأصنام ، ولكن من الناس من يصل إلى غاية من الشرك والفسق ، لا يزيلها بأس ولا يزلزلها بؤس ، فلا تنفع معهم العبر ، ولا تؤثر فيهم الغير ، وكان أولئك الأقوام منهم ، ولذلك قال تعالى فيهم * * * فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا جعل ابن جرير لولاهنا للتحضيض بمعنى هلّا ، وجعلها الجمهور نافية ، أي فهلّا تضرعوا خاشعين لنا تائبين الينا ، عندما جاءهم البئيس من عذابنا ، فرأوا بوادره ، وحذروا أواخره ، لنكشفه عنهم ، قبل أن يحيط بهم ؟ أو فما خشعوا ولا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا . وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فكانت أقسى من الحجر ، إذ لم تؤثر فيها النذر ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعاصي ، بما يوسوس إليهم من تحسين الثبات على ما كان عليه آباؤهم