الشيخ محمد رشيد رضا
408
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سِنِينَ 206 ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ 207 ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ) ومثلها الآيات التي في آخر سورة العلق والآيات التي في آخر سورة الملك . فمن تأمل هذه الآيات كلها لا يظهر له فيها ما قالوه من أن معناها أخبرني وأخبروني الا بما يأتي من التوجيه ، قال القاضي البيضاوي في ( أَ رَأَيْتَكُمْ ) : استفهام وتعجيب . وقال الراغب في مفرداته بعد الإشارة إلى عدة آيات مصدرة بهذا اللفظ : كل ذلك فيه معنى التنبيه . وقد سدد كل منهما وقارب ، والذي أراه جامعا بين الأقوال أن « أَ رَأَيْتَكُمْ » و « أَ رَأَيْتُمْ » استفهام عن الرأي ، أو عن الرؤية التي بمعنى العلم ، وأن الاستفهام في هذا الاستعمال للتقرير ، وأن المراد منه التنبيه والتمهيد ، لما يذكر بعده من نبإ غريب أو عجيب ، أو استفهام تقوم به في المسألة الحجة ، وتدحض الشبهة ، ولولا ان الاستفهام للتقرير ، لما كان لقول الجمهور إنه بمعنى طلب الاخبار وجه وجيه ، والمفعول الأول لأرأيت أو أرأيتم التي تتلوها الجملة الشرطية محذوف يفهم من مضمونها ويقدر بحسب المقام وقد تسد الجملة الاستفهامية مسدّ المفعولين . والمعنى : قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذبين أرأيتم أنتم أنفسكم كيف تكون حالكم مع من تعبدون - أو أرأيتم ما تدعون من دون اللّه - اي أخبروني عن رأيكم أو عن مبلغ علمكم في ذلك - إن أتاكم عذاب اللّه الذي نزل بمن كان من أقوام الرسل قبلكم ، كالريح الصرصر العاتية ، والصاعقة أو الرجفة القاضية ، ومياه الطوفان المغرقة ، وحرارة الظلة المحرقة ، أو أتتكم الساعة بمقدمات أهوالها ، أو ما يلي البعث من خزيها ونكالها ، أغير اللّه في هذه الحالة تدعون ؟ أم إلى غيره فيها تجأرون ؟ ان كنتم صادقين في دعوكم ألوهية هؤلاء الشركاء ، الذين اتخذتموهم أولياء ، وزعمتم انهم فيكم شفعاء . أو إن كان من شأنكم الصدق فأخبروني أغير اللّه تدعون إذا أتاكم أحد هذين الامرين ؟ اللذين يحلو دونهما طعم الامرين ؟ وذهب بعض المفسرين إلى كون متعلق الاستخبار محذوف تقديره أخبروني ان أتاكم ما ذكر من تدعون لكشفه ؟ أتخصون غير اللّه بالدعاء كما هو شأنكم في وقت الرخاء ؟ أم تخصونه وحده بالدعاء ، وتنسون ما اتخذتم من الشركاء ، إذ يضل عنكم من ترجون من الشفعاء ؟ ثم أجاب تعالى عنهم ، مخبر إياهم عما تقتضيه فطرتهم . فقال