الشيخ محمد رشيد رضا
409
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ أي لا تدعون غيره لا وحده ولا معه ، بل تخصونه وحده بالدعاء ، فيكشف أي يزيل ما تدعونه إلى كشفه ان شاء ، لأنه هو القادر عليه دون جميع العباد ، وتنسون ما تشركون به الآن من الشفعاء والأنداد ، لأن الفزع اليه سبحانه عند شدة الضيق واليأس من الأسباب مركوز في فطرة البشر ، تنبعث اليه بذاتها كما تنبعث إلى طلب الغذاء عند الجوع مثلا ، فلا يذهب به ما يتلقى بالتعليم الباطل من مسائل الدين غالبا ، الا من تم فساد فطرته ، وانتهت سفالة طينته ، حتى كان كالأعجم ، لا يفهم ولا يفهم ، وانما مثل تعاليم الشرك مع هذه الغريزة الفطرية كمثل ما كان عند المشركين من أحكام الطعام الباطلة مع غريزة التغذي ، فإنهم كانوا يحرمون بعض الطيبات كالبحائر والسوائب ويبيحون بعض الخبائث كالميتة والدم المسفوح ، فيجنون على غريزة التغذي بأكل هذا والحرمان من ذاك ، ثم يأكلون كل شيء عند الاضطرار ، كذلك يجنون على غريزة التوجه إلى خالقهم وخالق العالم كله بما يتخذون من الأنداد والأولياء والشفعاء ، الذين يتوجهون إليهم كما يتوجهون إلى اللّه ويحبونهم كحب اللّه ، ذلك الحب الذي منشؤه التقديس واعتقاد القدرة على النفع ودفع الضر من غير طريق الأسباب . عند الشدة ينسونها ويدعون اللّه وحده ولهذا الاعتقاد وما يستلزمه من الحب والتعظيم ثلاث درجات : أسفلها وأعرقها في الجهل ان يعتقد في شيء من المخلوقات انه هو الإله الذي ينفع ويضر بذاته فيتوجه اليه ويدعوه ويتضرع اليه حتى عند اشتداد البأس باكيا متضرعا ، لان غريزة الايمان بالسلطة الغيبية حصرت عنده في هذا المخلوق أو هذه المخلوقات كما تلقى عن قومه وهو لا يفكر في كون ذلك معقولا أو غير معقول ، ويلي هذه الدرجة أن يعتقد أن الإله نفسه قد حل في بعض المخلوقات واتحد بها كما تحل الروح في البدن وتدبره فيكونان بذلك شيئا واحدا ، والفصل بين هذه الدرجة وما قبلها هو ان هذه مفرغة في قالب من النظريات الفلسفية ، مزينة بحلي وحلل من التخيلات الشعرية ، وتلك ساذجة غفل من الفلسفة الجدلية ، عطل من المزينات الخيالية ، ويشتركان في أن منتحليهما يعبدون ذلك المخلوق المدرك بالحواس ، ويدعونه تضرعا وخفية حتى عند اشتداد الكرب والبأس ، « تفسير القرآن الحكيم » « 52 » « الجزء السابع »