الشيخ محمد رشيد رضا
407
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حتى إذا ما نزل بهم ما لا يطاق من اللاواء ، وأثار تقطع الأسباب في أنفسهم ضراعة الدعاء ، دعوا اللّه وحده مخلصين له الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ وضل عنهم ما كانوا يدعون من الأصنام والأوثان ، وما وضعت رمزا له من ملك أو إنسان ، لان هذا دعاء القلب لا دعاء اللسان ، - ذكرهم بهذا بعد تذكيرهم بالمشابهة بين أمم الناس وأمم الحيوان ، وحال من فسدت قواهم الفطرية من الناس ، ولذلك قفى عليه بذكر من تركوا التضرع له تعالى حين البأس ، وقبل أن يحيط بهم اليأس ، فابتلاهم بالسراء والنعماء ، بعد البأساء والضراء ، فأعقبهم بدل الشكر فرح البطر ، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر . قال تعالى : * * * قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قوله تعالى ( أَ رَأَيْتَكُمْ ) هو عند جمهور علماء العربية بمعنى « أخبروني » والتاء ضمير رفع والكاف حرف خطاب أكذبه الضمير لا محل له وتتغير حركته باختلاف المخاطب دون التاء فتظل مفتوحة في المؤنث والمثنى والجمع وقد أطالوا القول في المذاهب والآراء في اعرابه ومعناه في كتب اللغة وبعض كتب التفسير . وأقول إن هذه الصيغة « أَ رَأَيْتَكُمْ » في خطاب الجمع بالكاف والميم لم تذكر الا في هذه الآية وفي الآية الآتية بعد بضع آيات وذكرت في خطاب المفرد بالكاف في قوله تعالى من سورة الإسراء ( أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) الخ وليس في هذه الآية استفهام في الجملة الشرطية ولكن المفسرين قدروا فيها استفهاما محذوفا . قال البيضاوي كغيره : والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمت علي بأمري بالسجود له لم كرمته علي ؟ وجعل قوله بعد ذلك ( لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) الخ - كلاما مبتدأ . وقد استعمل أرأيت وأرأيتم - بدون كاف - مثل هذا الاستعمال في أكثر من عشرين آية أكثرها قد صرح فيه بعدها بالاستفهام فمنه في جملة غير شرطية قوله تعالى ( 25 : 43 أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) وقوله ( 46 : 3 قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ) ومثلها الآيات التي في سورة الواقعة . ومنه في الجمل الشرطية ( 26 : 205 أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ