الشيخ محمد رشيد رضا

392

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على استغراق الافراد ، وانما أخبر عنها بالأمم باعتبار الحمل على معنى الجمعية المستفاد من العموم وأما السمك فهو أقرب إلى الطير منه إلى الدواب وله أجنحة قد تسمى الزعانف أكثرها صغير ومنها ما هو كبير كجناح الخفاش ، وهو يطير في الماء غاليا وعلى سطحه أحيانا ، وقد يسفّ إلى قاعه فيلاصق أرضه في سيره فيكون أشبه بالزاحف منه بالطائر ، ولعل حكمة ترك التصريح به قلة من كان يراه ممن نزلت السورة في مخاطبتهم قبل كل أحد بالدعوة إلى الاسلام وإقامة الدلائل عليهم وهم مشركو مكة . ولمثل هذا المعنى خص دواب الأرض بالذكر لأنها هي التي يراها المخاطبون عامة ، ويدركون فيها معنى المماثلة ، دون دواب الاجرام السماوية ، القابلة للحياة الحيوانية ، التي أعلمنا بوجودها في قوله ( 42 : 27 وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ ) فهي قد ذكرت هنا بالتبع لذكر خلق السماوات والأرض ، فكان الاعلام بها نافلة وفائدة زائدة على ما يقوم به دليل الآية ، وهي من أخبار عالم الغيب وردت بعبارة تشعر بما يدل عليها من القياس على عالم الشهادة ، وانما تظهر صحة هذا القياس حتى لغير المؤمن بالقرآن بعد البحث وسعة العلم بالهيئة الفلكية ، وقد علم أهل هذا العلم من المتأخرين ان بعض هذه الكواكب ( كالمريخ ) فيه ماء ونبات ، فلا بد ان يكون فيه أنواع من الحيوان ، بل فيه امارات على وجود عالم اجتماعي صناعي كالانسان ، منها ما يرى على سطحه بالمرآة المقرّبة ( المرقب - التلسكوب ) من الجداول المنظمة والخلجان ، فالآية التي نفسرها ترشدنا بهذا وبوصف أنواع الحيوان بأنها أمم أمثالنا إلى البحث في طبائع الاحياء لنزداد علما بسنن اللّه تعالى وأسراره في خلقه ، ونزداد بآياته فيها إيمانا وحكمة وحضارة وكمالا ، ونعتبر بحال المكذبين بها ، الذين لم يستفيدوا مما فضلهم اللّه به على الحيوان شيئا فكانوا أضل من جميع أنواعه التي لا تجني على نفسها ما يجنيه الكافر على نفسه وقد اختلف المفسرون في وجه المماثلة بين الدواب والطير وبين الانسان ففي الدر المنثور عن مجاهد في قوله تعالى ( إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ) قال أصنعا مصنفة تعرف بأسمائها - وعن قتادة : الطير أمة والانس أمة والجن أمة - وعن السدي : خلق