الشيخ محمد رشيد رضا

393

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أمثالكم . فالأولان على أن المماثلة بالصفات المشتركة التي يتميز به بعض الأنواع والأصناف عن بعض ، وهي التي نسميها المقومات والمشخصات ، والثالث على أن المماثلة في أصل الخلق ؛ أي كونها مخلوقة مثلنا ، ويتبع ذلك ما يلازمه من حكمة اللّه وتدبيره فينا وفيها . ونقل الواحدي عن ابن عباس أن المراد بالمماثلة أنها تعرف اللّه وتوحده وتسبحه وتحمده كما يفعل المؤمنون منا ، وتوسع بعض الصوفية في هذا وما قبله فقالوا انها عاقلة ومكلفة وان لها رسلا منها . وقيل إن المماثلة باحصاء الكتاب لجميع الأحوال المتعلقة بحياتها وموتها كالبشر ، وقيل إنها بحشر اللّه تعالى إياها كما يحشرنا وحسابه لها كما يحاسبنا ، واختار الرازي انها بعناية اللّه تعالى ورحمته بها وفضله عليها ، كما تقدم عنه في وجه النظم ومناسبة الآية لما قبلها . ونقل عن سفيان ابن عيينة انه لما قرأ الآية قال : ما في الأرض آدمي الا وفيه شبه من بعض البهائم ، فمنهم من يقدم إقدام الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلب ومنهم من يتطوّس ( أي يتزين ) كفعل الطاووس ، ومنهم من يشبه الخنزير فإنه لو ألقي اليه الطعام الطيب تركه وإذا قام الرجل عن رجيه ولغ فيه ، فكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها فان أحطأت مرة واحدة حفظها ولم يجلس مجلسا الارواه عنه ( ؟ ) - ثم قال - فاعلم يا أخي انك انما تعاشر البهائم والسباع ، فبالغ في الحذار والاحتراز اه وهذا القول - إذا صح دخوله في ضمن الصفات الحيوانية المشتركة بين الانسان والحيوان - لا يصح أن يكون هو المراد من الآية وإن جعل الخطاب بها للمشركين خاصة ، لان السياق هنا ليس لبيان عدم استعمال عقولهم وحواسهم في آيات اللّه كقوله ( أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) وقوله ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ؟ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) والمختار عندنا أن اللّه تعالى أرشدنا إلى أن أنواع الحيوان أمم أمثال الناس ، ولم يبين لنا وجه المماثلة بينهما لأجل ان نستعمل حواسنا وعقولنا في البحث الموصل إلى ذلك كما قلنا آنفا ، وللمماثلة وجوه كثيرة اهتدى بعض العلماء إلى بعضها ويجوز أن يهتدي غيرهم إلى غير ما اهتدوا اليه ، ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه الأخصائيون في كل علم وفن ، وتيسرت فيه أسباب البحث ، إذ يوجد في بلاد العلم والحضارة بساتين « تفسير القران الحكيم » « 50 » « الجرء السابع »