الشيخ محمد رشيد رضا
391
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تنزيل الآية وانما لا ينزلها محافظة على الحكم البالغة اه ونقل الآلوسي مثله عن الطبرسي ، وقد أخذه أبو السعود من البيضاوي * * * وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ( الدابة ) ما يدبّ على الأرض من الحيوان . والدب والدبيب المشي الخفيف - زاد بعضهم - مع تقارب الخطو و ( الطائر ) كل ذي جناح يسبح في الهواء وجمعه طير ، كراكب وركب . ( والأمم ) جمع أمة وهي الجيل أو الجنس من الاحياء ، وهذا أحد معاني اللفظ ، وقال الراغب : الأمة كل جماعة يجمعهم أمر مّا إما دين واحد أو زمان واحد أو مكان واحد ، سواء كان ذلك الامر الجامع تسخيرا أو اختيارا ، وجمعها أمم . اه وذكر بعده الآية ، وكان ينبغي أن يزيد : أو صفات وأفعال واحدة والمعنى أنه لا يوجد نوع مّا من أنواع الاحياء التي ندب على الأرض ولا من أنواع الطير التي تسبح في الهواء الا وهي أمم مماثلة لكم أيها الناس . كما يقول عالم النبات ما من شجرة قامت على ساقها وتشعبت في الهواء أغصانها ولا نجم نبت في هذه الأرض الا فصائل لها صفات وخواص مشتركة يمتاز بها بعضها عن بعض . فالدابة والطائر هنا مفرد اللفظ مراد به الجنس اللغوي . تقول طائر الحمام وطائر النحل ، ودابة الحمير ودابة الأرض ، كما تقول شجرة التين وشجرة الزقوم . وناهيك يوصف الدابة بكونها في الأرض ووصف الطائر بكونه يطير بجناحيه . فهو يشعر بذلك . وان كان في وصف الطائر بما ذكر تنصيص على الحقيقة وسد لطريق المجاز ، فقد تجوزوا بالطيران عن السرعة كما قال الحماسي : قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم * طاروا اليه زرافات ووحدانا ولاحتمال التجوز بدون القيد المذكور مناسبة قوية وهي عطف الطائر على الدابة إذ هي من الدب الذي هو المشي الخفيف كما تقدم ويقابله السريع الذي يشبه بالطيران . وذكر بعضهم لوصف الطائر بما ذكر نكتة أخرى وهي تصوير هيئة الطيران الغريبة الدالة على قدرة الباري وحكمته لذهن السامع والقارئ ، وهو حسن لا ينافي ما تقدم ، ولا تزحم بين النكت المتفقة ، ولا بين الحكم المؤتلفة ، ويرى الكثيرون انه لا مانع من جعل كلمتي دابة وطائر على أصل معناهما وهو الدلالة في سياق النفي