الشيخ محمد رشيد رضا

372

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحزن والمراد بالنهي عنه « 1 » وان لغة قريش فيه ان الثلاثي منه يتعدى بنفسه فيقال حزنه الامر ، وتميم تقول أحزنه ، ومنها قراءة نافع ( لَيَحْزُنُكَ ) بضم الياء وكسر الزاي والمراد بالقول الذي يحزنه منهم هو ما كانوا يقولونه فيه وفي دعوته ونبوته من تكذيب وطعن وتنفير للعرب ، ومنه بالأولى ما حكاه عنهم في الآيات السابقة وسيأتي توضيحه . وروي عن أهل التفسير المأثور ان سبب نزول الآية أقوال خاصة من بعض رؤسائهم المستكبرين تنطبق على قوله في تتمة الآية فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي فإنهم لا يجدونك كاذبا ولا يعتقدون انك كذبت على اللّه فيما جئت به - وهم لم يجربوا عليك كذبا على أحد - ولكنهم يجحدون بالآيات الدالة على صدقك بانكارها بألسنتهم فقط كما جحد قوم فرعون من قبلهم بآيات اللّه لأخيك موسى ( 27 : 14 وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) فالجحود كما قال الراغب : نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه . يقال جحد جحودا وجحدا . اه وعبارة اللسان الجحد والجحود ضد الاقرار كالانكار . ثم نقل قول الجوهري فيه انه الانكار مع العلم . ويتعدى بنفسه وبالباء فيقال جحده وجحد به . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : « يقول تعالى مسليا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ) أي قد أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم كقوله ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ) كما قال تعالى في الآية الأخرى ( لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ - فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ) وقوله ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) أي لا يتهمونك بالكذب في نفس الامر ولكن الظالمين بآيات اللّه يجحدون ، أي ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم كما قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي قال : قال أبو جهل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : انا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به . فأنزل اللّه ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ

--> ( 1 ) راجع ص 387 ج 6 من التفسير