الشيخ محمد رشيد رضا
367
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وبين المؤمنين الذين يتقون اللّه فيها ، ففي مثل هذا السياق - كآية سورة محمد - يحسن الترتيب الوجودي ، بتقديم اللعب على اللهو الذي هو طريق الترقي ، لأنه انتقال من عبث ليس له عاقبة نافعة ، إلى لهو فائدته سلبية عاجلة ، ولذلك بين بعده أن عمل المؤمنين المتقين فيها - ومنه تمتعهم بلذاتها - يؤجرون عليه في الآخرة ، وأنها بسبب التقوى خير لهم من العاجلة . هذا وانني عند بلوغي هذا البحث ظفرت بكتاب [ درة التنزيل . وغرة التأويل ] لأبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الخطيب الإسكافي « 1 » فراجعته بعد استقرار فهمي على ما تقدم ، فعلمت أنه هو الذي نقل الآلوسي عن الشهاب عنه ما لا يكاد يفهم ، وما ذلك الا للنقل بالمعنى دون النص ، الذي كثر بسببه الخطأ في النقل ، وقد ذكر الإسكافي هذا البحث عند ذكر الآية الثامنة مما أورده من سورة الأنعام - ( وهي الآية 70 ) الواردة في اتخاذ الكفار دينهم لعبا ولهوا - مع ما يقابلها في سورة الأعراف ( 7 : 50 ) من اتخاذهم دينهم لهوا ولعبا . وبهذه المناسبة ذكر آيتي الحديد والعنكبوت اللتين بينهما مثل هذا الاختلاف ، ونسي ذكر الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، وسيأتي ذكر اتخاذ الدين لعبا ولهوا في محله . وقد اعتمد الخطيب في تفسير اللهو في الآيات أنه اجتلاب المسرة بمخالطة النساء ، وهو مخطئ في ذلك . وقال في تعليل تقديم اللعب على اللهو في سورة الحديد ان الحياة الدنيا لمن اشتغل بها ولم يتعب لغيرها مقسومة من الصبا وهو وقت اللعب ، وبعده اللهو وهو الترويح عن النفس بملاعبة النساء ، ويتبع ذلك أخذ الزينة لهن ولغير هن ، ومن أجل الزينة نشأت مباهاة الاكفاء ، ومفاخرة الاشكال والنظراء ، ثم بعده المكاثرة بالأموال والأولاد ، فترتبت الحياة على هذه الأحوال ، فوجب تقديم حال اللعب على اللهو اه ثم قال في آية العنكبوت انه لا يراد بها ان الحياة الدنيا كلها لعب ولهو الخ ثم قال ما نصه : - « بل المراد المبالغة في وصف قصر مدة الدنيا بالإضافة إلى مدة الأخرى فكأنه قال : ما أمد لحياة الدنيا إلا كأمد أزمنة اللهو واللعب وهي أزمنة تستقصر ، لشغل النفس بحلاوة ما يستعجل ، كما قال القائل :
--> ( 1 ) رأيت الكتاب مطبوعا يباع في مكتبة المنار ولم أكن عالما بذلك