الشيخ محمد رشيد رضا

368

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شهور ينقضين وما شعرنا * بأنصاف لهنّ ولا سرار « 1 » وقال المتأخر : وليلة إحدى الليالي الغرّ * لم تك غير شفق وفجر والدليل على أن المراد ما ذكرت قبل ما ذكره اللّه بعد من قوله ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ) أي ان حياتها تبقى أبدا ، ولا تعرف أمدا . وانما قدم اللهو هنا على اللعب لان الأزمنة التي يقصرها اللهو ، أكثر من الأزمنة التي يقصرها اللعب ، لان التشاغل به أكثر ، فلما كانت معظم ما يستقصر ، وجب تقديم ما يكثر على ما هو دونه في الكثرة ، لان ذلك آخذ بالشبه ، وألغ في وصف المشبه ، ولا خلاف ان الناس أزمنتهم المشغولة باللهو ، أكثر من أزمنتهم المشغولة باللعب ، وأن طيبها لهم ، يخيل قصرها إليهم ، ويتفاوت طيبها ، على حسب تفاوت ميل النفس إلى محبوبها ، فمعظم ما ترى الزمان الطويل قصيرا زمان اللهو بالنساء ، وهو الذي نشأت منه فتنة الرجال وهلاك أهل الحب » إه وما قلناه أقرب من اللفظ نسبا ، وأشد ارتباطا بالمعنى وأقوى سببا هذا واننا قد وعدنا بأن نبين في آخر تفسير هذه الآيات ما يترتب على انكار البعث والجزاء من فساد الفطرة البشرية المفضي إلى الشرور الكثيرة فقول : إن الكفر بالبعث والجزاء ، واعتقاد انه لا حياة بعد هذه الحياة ، يجعل هم الكافر محصورا في الاستمتاع بلذات الدنيا وشهواتها البدنية والنفسية كالجاه والرياسة والعلو في الأرض ولو بالباطل وهو ما يسمونه الشرف ، ومن كان كذلك يكون في اتباع هواه ولذاته الشهوانية أسفل من البهائم كالبقر والقردة والخنازير ، وفي اتباعه لهواه في لذته الغضبية أضرى وأشد أذى من الوحوش الضارية المفترسة كالذئاب والنمور ، وفي اتباعه لهواه ولذته النفسية شرا من الشياطين ، يكيد بعضهم لبعض ويفترس بعضهم بعضا ، لا يصدهم عن باطل ولا شر يهوونه الا العجز ، ولا يرجعون إلى حكم يفصل بينهم الا القوة التي جعلوها فوق الحق ، وطالما غشوا أنفسهم وفتنوا غيرهم في هذا الزمان ، بما كان من تأثير

--> ( 1 ) الانصاف جمع نصف ونصف الشهر حيث يكون القمر بدرا كاملا يقابله السرار وهو بالكسر اختفاء القمر في آخر الشهر