الشيخ محمد رشيد رضا

364

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في نفسها ومتى أثر سمها في الأعصاب بالتنبيه الزائد وغيره أعقب ذلك ضده من الفتور والألم الذي يطارد بالعود إلى الشرب كما قال أشعر السكيرين وأقدرهم على تمثيل تأثير السكر * وداوني بالتي كانت هي الداء * وقال : وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها وهذه اللذة الأولى التي ذكرها وهمية كما قلنا لأنه لم يكن ذاقها بل توهمها وقلد بها المفتونين بالسكر . وقد يقصد بالسكر إزالة آلام أخرى غير ألم سم الخمر كالهموم والأكدار ، فان السكران يغيب عن عقله ووجدانه فلا يشعر بآلامهما في تلك الحال ، وقد يتضاعف عليه ألم الشعور والوجدان ، وكثيرا ما يقع في آلام أخرى بدنية كالصداع والغثيان ، أو نفسية كالتي فرّ منها ، أو ما هو شر منها ، ويصدق عليه في كل حال قول أبي الطيب : إذا استشفيت من داء بداء * فأقتل ما أعلّك ما شفاكا وقد قيل إن سماع الغناء وآلات الطرب لا يدخل في عموم هذه القاعدة لأنها لذة روحية لا تعدّ داعيتها من الآلام ، ومن دقق النظر في هذه المسألة علم أن السماع ليس من ضروريات الحياة الشخصية ولا النوعية ولذلك كانت داعيته ضعيفة ليست كداعية الغذاء والوقاع فكان فقده غير مؤلم الا لمن اشتد ولوعه به ، وهذا يدخل في عموم القاعدة ، ولذة السماع عند غيره - وهم الجمهور - ضعيفة بقدر ضعف الداعية . فالسماع لا يعدّ من أركان هذه الحياة ولا من مقاصدها الذاتية للناس ، وانما يستروح اليه أكثر أهله لترويح النفس من آلام الحياة لا من ألم الداعية اليه ، وإنما غلب اسم « اللهو » عليه واسم « الملاهي » على آلاته ، لأنه غير مقصود لذاته وفي الآية وجه آخر يصح جمعه مع الأول وهو أن متاع هذه الحياة الدنيا الخاص بها متاع قليل ، أجله قصير ، لا يصح ان يغتر به العاقل الراشد ، فهو ليس الا كلعب الأطفال في قصر مدته من حيث إن الطفل يسرع اليه الملل من كل لعبة ، أو من حيث إن زمن الطفولة قصير كله غفلة ، أو كله المهموم في قصر مدته ، على كونه غير مطلوب لذاته ، وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ هذا خبر مؤكد بلام القسم