الشيخ محمد رشيد رضا

365

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يفيد بمقابلته لما قبله ان نعيم الآخرة ليس كنعيم الدنيا لعبا ولهوا يعبث به العابثون ، أو يتشاغلون ويتسلون به عن الأكدار والهموم ، بل هو مما يقصده العاقل لفوائده ومنافعه الثابتة الدائمة - وان تلك الدار للذين يتقون الشرك والشرور المحرمة خير من هذه الدار للمشركين المنكرين للبعث الذين لاحظ لهم من حياتهم الا التمتع الذي هو من قبيل اللعب في قصر مدته وعدم فائدته ، أو من قبيل اللهو في كونه دفعا لألم الهم والكدر ، أو ضجر الشقاء والتعب ، - دع ما يستلزمه من المعاصي المفضية إلى عذاب الآخرة - ذلك بأن نعيم الآخرة البدني أعلى وأكمل من نعيم الدنيا في ذاته ، وفي دوامه وثباته ، وفي كونه ايجابيا لا سلبيا ، وفي كونه غير مشوب ولا منغّص بشيء من الآلام ، وفي كونه لا يعقبه ثقل ولا مرض ولا إزالة أقذار ، فما القول بنعيمها الروحاني من لقاء اللّه ورضوانه وكمال معرفته . المعبر عنه عند أهل السنة برؤيته ؟ أي أتغفلون فلا تعقلون هذا الفرق أيها المكذبون بالآخرة ؟ أما لو عقلتم لآمنتم قال المنجم والطبيب كلاهما * لا تبعث الأموات قلت اليكما ان صح قولكما فلست بخاسر * أو صح قولي فالخسار عليكما قرأ ابن عامر ( ولدار الآخرة ) بإضافة الصفة للموصوف لمغايرتها له ، ولا نزاع بين النحاة في وقوع مثل هذا في الكلام العربي وحسبك وروده في الكتاب العزيز ، وانما اختلف الكوفيون والبصريون في اطراده وطريقة اعرابه ، فالأولون يعربونه بغير تأويل ، والآخرون يرون انه لم يرد الا بمسوغ وهو هنا استعمال « الآخرة » استعمال الأسماء في مثل قوله تعالى ( وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ) أو مراعاة مضاف محذوف تقديره : ولدار الحياة الآخرة . لأنه في مقابلة الحياة الدنيا ، ويصح تقدير النشأة أيضا . وقرأ بعض القراء يعقلون بالياء التحتية مراعاة للغيبة ، وبعضهم بالتاء الفوقية للخطاب ومن مباحث نكت البلاغة انه ورد في معنى هذه الآية قوله تعالى في سورة محمد ( 47 : 37 إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ) وقوله في سورة الحديد ( 57 : 19 اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) وقد قدم في الآيات الثلاث