الشيخ محمد رشيد رضا

359

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي إذا كان الامر كذلك فذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون ، بسبب كفركم الذي كنتم عليه دائمون . ثم قفى على ذكر ما ربحوا من الشقاء والعذاب ، ببيان ما خسروا من السعادة والثواب - وانما هو خسر على خسر - فقال : * * * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي خسر أولئك الكفار الذين كذبوا بلقاء اللّه تعالى كل ما ربحه وفاز به المؤمنون بلقائه من ثمرات الايمان وعبادة اللّه ومناجاته في الدنيا كالقناعة والإيثار والرضاء من اللّه في كل حال ، والشكر له عند النعمة ، والصبر والعزاء والطمأنينة عند المصيبة ، وغير ذلك من المزايا التي تصغر معها المصائب والشدائد ، ويكبر قدر النعم والمواهب . ومن ثمرات الايمان في الآخرة من الحساب اليسير ، والثواب الكبير ، والرضوان الأكبر ، وهو « ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » كل ذلك مما يخسره المكذبون بلقاء اللّه بسبب تكذيبهم ، لأنهم يخسرون في الحقيقة أنفسهم ، وانما حذف مفعول « خَسِرَ » للدلالة على ذلك كله ، وجعل فاعله موصولا لدلالة صلته على سبب الخسران ، لان التكذيب بلقاء اللّه تعالى يستلزم ما سيأتي بيانه من الاعمال والأحوال التي تفسد النفس ، ومن خسر نفسه بفسادها خسر كل شيء حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أي كذبوا إلى أن جاءتهم الساعة مباغتة مفاجئة ، وقيل إن الغاية للخسران بقصره على ما كان منه في الدنيا . والساعة في أصل اللغة الزمن القصير المعين بعمل يقع فيه ، يقال جلست اليه ساعة وغاب عني ساعة . وأطلق في كتب الدين على الوقت الذي ينقضي به أجل هذه الحياة ويخرب هذا العالم وانما يكون ذلك في زمن قصير . وعلى ما يلي ذلك من البعث والحساب وهو يوم القيامة ، فإن كان اطلاقه عليه بالتبع لاطلاقه على ساعة خراب العالم فذاك والا كان وجه تسميته ساعة باعتبار سرعة الحساب فيه . ( راجع ص 236 ج 2 تفسير ) أو بالإضافة إلى ما بعده - قولان وهذه الساعة ساعة هذا العالم كله ، ومن دونها ساعة كل فرد وقيامته وهو الوقت الذي يموت فيه ويقدم على ذلك