الشيخ محمد رشيد رضا
360
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العالم ، وكذا ساعة الأمة أو الجيل ؛ ولذلك قالوا إن القيامة ثلاث كبرى ووسطى وصغرى ، وقد تقدم هذا البحث في الجزء الخامس من التفسير ( راجع ص 214 منه ) وفسر الراغب الساعة هنا بالقيامة الصغرى ، إذ هو الذي ينطبق على الكفار الذين نزلت فيهم هذه الآيات والقيامة الكبرى انما تقوم على آخر من يكون من الخلق على هذه الأرض . والجمهور يفسرونها بالقيامة الكبرى وهي باعتبار غايتها - وهو يوم يقوم الناس لرب العالمين - تصدق على من نزلت الآية فيهم وعلى غيرهم ، وباعتبار بدايتها تصدق على آخر من يعيش في الدنيا فقط . ويرون أن البغتة لا تظهر في موت الافراد لما يكون له في الغالب من المقدمات والعلامات التي يعرف بها وقته في الجملة . وقد ذكر مجيء الساعة بغتة في عدة آيات غير هذه يتعين أن يكون بها القيامة الكبرى العامة ، وهي التي ورد في الكتاب والسنة أن اللّه تعالى أخفى علمها عن كل أحد حتى الرسل والملائكة . وأما قوله تعالى ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) فلا يدل على مجيء الموت بغتة ولا على جهل كل أحد بوقته فقد يعرف بأسبابه كالأمراض والجروح . وقد يقال إن المرض ونحوه لا يدل على الموت مهما يكن شديدا ، فكم من مريض جزم الأطباء بأنه لا يعيش الا أياما أو ساعات قد شفي من مرضه ذاك وعاش بعده عدة أعوام ، على أن المريض لا ييأس من الحياة ما دام فيه رمق ، فبهذا الاعتبار يصح أن يقال فيه - ان مات في مرضه - : ان الموت جاءه بغتة ، وان كان هذا لا يعد في العرف من موت الفجأة ، ومن لم يجئه الموت فجأة جاءه المرض الذي يعقبه الموت فجأة ولات حين استعداد ، ولا رجوع عن شرك والحاد ، بل يموت المرء على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه ، ويندر أن يظهر لاحد في مرض مماته ، ضلاله الذي عاش عليه طول حياته ، ولا ينكشف الغطاء عن الانسان ويعلم أنه فارق هذه الحياة إلى العالم الآخر الا عند خروج روحه من بدنه ، وحينئذ يتحسر المفرطون ، ويندم المجرمون ، ثم تتجدد الحسرة في موقف الحساب ، وتتضاعف عند حلول العذاب ، قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها هذا جواب « إِذا » أي قد خسر الذين كذبوا بلقاء اللّه وأصروا على ذلك حتى إذا جاءتهم منيتهم وهي بالنسبة إليهم