الشيخ محمد رشيد رضا

358

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على ربهم عبارة عن وقف الملائكة إياهم في الموقف الذي يحاسبهم فيه ربهم ، وامساكهم فيه إلى أن يحكم بما شاء فيهم ، فهو من قبيل * وقوفا بها صحبي عليّ مطيهم * أي يقفون مطيهم عندي وقوفا ، ولا يشترط في هذا ان يكونوا في مكان أعلى من المكان الذي هو فيه . أو المعنى يحبسونها علي بامساكها عندي . وانما عدي الوقف والوقوف الذي بهذا المعنى بعلى - وكذا الحبس والامساك الذي فسر به - لدلالته على معنى القصر ، قال تعالى ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) أي مما أمسكته الجوارح مقصورا عليكم فلم تأكل منه لأجلكم ، وكذلك حبس العقار ووقفه على الفقراء وسائر وجوه البر فيه معنى قصره على ذلك . والذين تقفهم الملائكة وتحبسهم في موقف الحساب امتثالا لامر اللّه تعالى فيهم ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) يكونون مقصورين على أمر اللّه تعالى ، أو يكون أمرهم مقصورا على اللّه تعالى لا يتصرف فيه غيره ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) وانما أطلت في بيان كون استعمال وقف هنا متعديا بعلى بمعنى ما تقدم قريبا في تفسير قوله تعالى ( وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ) لان المفسرين اضطربوا في التعدية هنا فحمل الكلام بعضهم على التمثيل وبعضهم على الكناية وبعضهم على مجاز الحذف أو على غيره من أنواع المجاز ، وجعله بعضهم من الوقوف على الشيء معرفة وعلما ، وجاء بعضهم بتأويلات أخرى لا حاجة إلى ذكرها بينا آنفا في تفسير ( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ) ان جواب لو حذف لتذهب النفس في تصوره كل مذهب يقتضيه المقام . وللايذان بأنه لا يحيط به نطاق الكلام ، ومن شأن السامع لمثل هذا ان ينتظر بيانا لما يقع في تلك الحال ، فإن لم يوافه المتكلم به ، توجهت نفسه إلى السؤال عنه ، فلهذا جاء البيان جوابا لسؤال مقدر وهو قوله تعالى قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ إدخال الباء على الحق يفيد تأكيد المعنى أي قال لهم ربهم أليس هذا الذي أنتم فيه من البعث هو الحق الذي لا ريب فيه ؟ قالُوا بَلى وَرَبِّنا أي بلى هو الحق الذي لا ريب فيه ولا باطل يحوّم حوله ، اعترفوا وأكدوا اعترافهم باليمين ، فشهدوا بذلك على أنفسهم انهم كانوا كافرين ، فبما ذا أجابهم رب العالمين ؟ قالَ