الشيخ محمد رشيد رضا
354
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كفروا عنادا واستكبارا كالرؤساء الذين ظهر لهم الحق كانوا يخفون ذلك الحق ، ومنهم بعض علماء أهل الكتاب - والمنافقون الذين أظهروا الايمان جبنا وضعفا أو مكرا وكيدا ، كانوا يخفون الكفر عن المؤمنين - وأصحاب الاعمال القبيحة من الفواحش والمنكرات يخفونها عمن لا يقترفها معهم - والذين يعتذرون عن ترك الواجبات بالاعذار الكاذبة يخفون حقيقة حالهم عمن يعتذرون إليهم ، والمقلدون يخفون في أنفسهم ما يلوح فيها أحيانا من برق الدليل المظهر لما كمن في أعماق الفطرة من الحق ، سواء أومض ذلك البرق من آيات اللّه في الآفاق ، وألسنة حملة الحجة والبرهان ، أو من آيات اللّه في أنفسهم ، قبل أن تحيط بهم خطيئتهم ويختم على قلوبهم ، وهؤلاء المقلدون العميان هم الذين بينت الآيات حالهم في الدنيا ، وانما جعلنا ما تلا ذلك من بيان حالهم في الآخرة عاما لكل من مات على الكفر لتساويهم فيه وعدم استفادة أحد منهم من استعداده للايمان ، لعدم استعمالهم لذلك الاستعداد وقد يعم الاخفاء للشيء ما كان منه بالقصد اليه والإرادة له في ذاته ، وما كل ظاهرا في نفسه وخفي عن أهله بأعمال وتقاليد لهم عدوا بها مخفين له ، كالعقائد والفضائل التي أودعت في الفطرة ، ودلت عليها آيات اللّه البينة ، وأعرض عنها الضالون والتزموا ما يضادّها فأخفوها بذلك حتى عن أنفسهم ، فإذا كان يوم اللّه الذي تبلى فيه السرائر ، وتنكشف جميع الحقائق ، وتشهد على الناس الأعضاء والجوارح ، إذ تنشر كتب الاعمال ، التي كانت مطوية في زوايا الأرواح ، فتتمثل لكل فرد أعماله النفسية والبدنية كلها ، في كتابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها ، كما تتمثل الوقائع المصورة ، في المنظرة التي يعرض فيها ما يعرف الآن بالصور المتحركة ، فان حفظ ألواح الأنفس المدركة لما ترسمه وتطبعه العقائد والاعمال فيها ، أقوى وأثبت من حفظ ألواح الزجاج الحساسة لما يرسمه ويطبعه نور الشمس عليها ، وعرض الصور الشمسية في الدنيا دون عرض الصور النفسية في الآخرة ، وبهذا البيان تعلم أن كل أحد يظهر له في الآخرة كل ما كان خفيا عنه من خير نفسه وشرها ، ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ) أي لا تخفى على أنفسكم ، فضلا عن خفائها على ربكم . وقد خص بالذكر هنا بدوّ ما كان يخفيه الكفار ، ولكل مقام مقال ،