الشيخ محمد رشيد رضا
355
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بين اللّه تعالى لنا أن تمني أولئك الكفار لما تمنوا لا يدل على تبدل حقيقتهم ، بل بدا لهم ما كان خفيا عنهم منها ، باخفائهم إياه عن الناس أو عنها ، ( وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) فتمنوا الخروج مما حاق بهم ، ولكن الحقيقة لا تتغير ، وانما يكون لها أطوار ، تختلف باختلاف الأحوال والأوطار . وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الشرك والكفر والنفاق والكيد والمكر والمعاصي ، لان مقتضي ذلك من أنفسهم ثابت فيها ، وما دامت العلة ثابتة فان أثرها وهو المعلول لا يتخلف عنها ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما تضمنه تمنيهم من الوعد بترك التكذيب بآيات اللّه ، وبالكون من المؤمنين باللّه ورسوله ، سواء علموا حين تمنوا ووعدوا أنهم كاذبون في هذا الوعد أم لم يعلموا ، فلو ردوا إلى الدنيا لرد المعاند المستكبر منهم مشتملا بكبره وعناده ، وكل من الماكر والمنافق مرتديا بمكره ونفاقه ، والمقلد مقيدا بتقليده لغيره ، وعدم ثقته بفهمه وعلمه ، والشهواني ملوثا بشهواته المالكة لرقه . وأما ما ظهر لهم إذ وقفوا على النار من حقية ما جاء به الرسل ، فإنما مثله كمثل ما كان يلوح لهم في الدنيا من البينات والعبر ، ألم تر كيف يكابرون فيها أنفسهم ، ويغالطون عقلهم ووجدانهم ، ويمارون مناظريهم واخدانهم ، : يشرب الفاسق الخمر فيصدّع ، أو يلعب بالقمار فيخسر ، ويأكل المريض أو ضعيف البنية الطعام الشهي أو يكثر منه فيتضرر ، ويرى غير هؤلاء من المخالفين لشرع اللّه المنزل بالحق ، أو لسننه الثابتة التي أقام بها نظام الخلق ، ما حل من الشقاء بغيره ممن سبقه إلى مثل عمله ، - فيندم كل واحد ممن ذكرنا ويتوب ، ويعزم على أن لا يعود ، وانما يكون هذا عند فقد داعية العمل ، ووجود داعية الترك ، فإذا عادت الداعية إلى العمل عاد اليه خضوعا لما اعتاد وألف ، وترجيحا لما يلذ على ما ينفع ومن وقائع العبر في ذلك ما حدث لأخ لي عملت له عملية جراحية خدّر قبلها بالبنج ( كلورفورم ) فكان من تأثيره فيه أنه شعر بأن روحه تسل من بدنه ، وقد طال الأمد على اندمال جرحه ، وكان قبل ظهور أمارات الشفاء منه يخاف أن يذهب بنفسه ، فيندم ويتحسر على ما كان منه من التفريط والتقصير في الواجبات ، وإضاعة