الشيخ محمد رشيد رضا
353
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * قال تعالى مبينا كنه حالهم وما ظهر لهم منه في الآخرة وما يقتضي ان يكونوا عليه في الدنيا لو ردوا إليها بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ قالوا إن الاضراب في هذه الآية اضراب عما يدل عليه تمنيهم من ادراكهم لقبح الكفر وسوء مغبته ، ولحقية الايمان وحسن عاقبته ، وعزمهم على الايمان وترك التكذيب لو أعطوا ما تمنوا من الرد إلى الدنيا ووعدهم بذلك نصا أو ضمنا ، كأنه يقول ليس الامر كما يوهمه كلامهم في التمني بل ظهر لهم ما كانوا يخفونه في الدنيا وفيه أقوال ( 1 ) انه أعمالهم السيئة وقبائحهم الشائنة ، ظهرت لهم في صحائفهم ، وشهدت بها عليهم جوارحهم ( 2 ) انه أعمالهم التي كانوا يغترون بها ، ويظنون أن سعادتهم فيها ، إذ يجعلها اللّه تعالى هباء منثورا ( 3 ) انه كفرهم وتكذيبهم الذي أخفوه في الآخرة من قبل ان يوقفوا على النار كما تقدم حكايته عنهم في قوله تعالى ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ( 4 ) انه الحق أو الايمان الذي كانوا يسرونه ويخفونه باظهار الكفر والتكذيب عنادا للرسول واستكبارا عن الحق ، وهذا انما ينطبق على أشد الناس كفرا من المعاندين المتكبرين الذين قال في بعضهم ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) ( 5 ) انه ما كان يخفيه الرؤساء عن أتباعهم من الحق الذي جاءت به الرسل - بدا للاتباع الذين كانوا مقلدين لهم ، ومنه كتمان بعض علماء أهل الكتاب لرسالة نبينا ( ص ) وصفاته وبشارة أنبيائهم به ( 6 ) انه ما كان يخفيه المنافقون في الدنيا من إسرار الكفر والتظاهر بالايمان والاسلام ( 7 ) انه البعث والجزاء ومنه عذاب جهنم ، وان إخفاءهم له عبارة عن تكذيبهم به ، وهو المعنى الأصلي لمادة كفر ( 8 ) ان في الكلام مضافا محذوفا ، أي بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه من الكفر والسيئات ونزل بهم عقابه فتبرّموا وتضجروا وتمنوا التفصي منه بالرد إلى الدنيا وترك ما أفضى اليه من التكذيب بالآيات وعدم الايمان ، كما يتمنى الموت من أمضه الداء العضال لأنه ينقذه من الآلام ، لا لأنه محبوب في نفسه ونحن لا نرى رجحان قول من هذه الأقوال بل الصواب عندنا قول آخر ( 9 ) وهو انه يظهر يومئذ لكل من أولئك الذين ورد الكلام فيهم ولأشباههم من الكفار ما كان يخفيه في الدنيا مما هو قبيح في نظره أو نظر من يخفيه عنهم ، فالذين « تفسير القرآن الحكيم » « 45 » « الجزء السابع »