الشيخ محمد رشيد رضا

350

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

غيرها من الغزوات ، ويلي هذا الهلاك الدنيوي هلاك الآخرة ، ولفظ الآية يشملهما وهو في هلاك الدنيا أظهر * * * ( 27 ) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 28 ) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ؛ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ بين اللّه تعالى لنا في الآيتين اللتين قبل هاتين حال من فقدوا الاستعداد للايمان من المشركين الظالمين لأنفسهم ، وخص بالذكر طائفة منهم وهي التي تلقي السمع مصغية للقرآن ولا يدخل من باب سمعها إلى بيت قلبها شيء منه ، لما على القلب من أكنة التقليد ، والاطمئنان بالشرك التليد ، والاستنكار لكل شيء جديد ؛ فهم يستمعون ولا يسمعون ، ولا يكتفون بذلك بل ينهون عنه وينأون وهم ناءون منتهون ، وما يهلكون الا أنفسهم وما يشعرون . ثم بين في هاتين الآيتين بعض ما يكون من أمرهم وأمر أمثالهم يوم القيامة ، وقفى عليه ببيان كنه حالهم في فقد الاستعداد للايمان ، وانه بلغ مبلغا لا يؤثر فيه كشف الغطاء ورؤية العيان ، فقال عز من قائل : * * * وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ « لَوْ » شرطية حذف جوابها لتذهب النفس في تصوره كل مذهب ، وذلك أبلغ من ذكره ، ومنه المثل « لو غير ذات سوار لطمتني » و « وُقِفُوا » بالبناء للمفعول أي وقفهم غيرهم ، يقال : وقف الرجل على الأرض وقوفا . ووقف على الاطلال أي عندها مشرفا عليها ، أو قاصرا همه عليها - وعلى الشيء : عرفه وتبينه . ووقف نفسه على كذا وقفا : حبسها كوقف العقار على الفقراء . ووقف الدابة وقفا جعلها تقف . والمعنى ولو ترى أيها الرسول - أو أيها السامع - بعينيك هؤلاء الضالين المكذبين إذ تقفهم ملائكة العذاب على النار فيقفون عندها مشرفين عليها من أرض الموقف - وهي هاوية سحيقة ، أو مقصورين عليها لا يتعدونها - أو يقفون فوقها على الصراط ؛ أو لو ترى إذ