الشيخ محمد رشيد رضا

351

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يدخلونها فيقفون على ما فيها من العذاب الأليم بذوقهم إياه و « من ذاق عرف » - أي لو ترى ما يحل بهم حينئذ وما يكون من أمرهم ومن ندمهم على كفرهم ومن حسرتهم وتمنيهم ما لا ينال - لرأيت أمرا عظيما لا تدركه العبارة ولا يحيط به الوصف وقد ذكر ما يكون من وقفهم على النار وما يترتب عليه من قولهم بصيغة الماضي الواقع في حيز فعل الشرط المستقبل للاعلام بتحقق وقوعه ، على القول المشهور في مثله ، وقال الرازي في تعليله : ان كلمة « إذ » تقام مقام « إذا » إذا أراد المتكلم المبالغة في التكرير والتوكيد وإزالة الشبهة لان الماضي قد وقع واستقر فالتعبير عن المستقبل باللفظ الموضوع للماضي يفيد المبالغة من هذا الاعتبار وأما قوله تعالى فَقالُوا : يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فقد عطف بالفاء للدلالة على أن أول شيء يقع حينئذ في قلوبهم ، ويسبق التعبير عنه إلى ألسنتهم ، هو الندم على ما سلف منهم ، وتمني الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا . اختلف القراء في إعراب « نُكَذِّبَ و نَكُونَ » فرفعهما الجمهور ونصبهما حمزة وحفص عن عاصم ، ونصب ابن عامر « نَكُونَ » فقط . فقراءة الجمهور بالعطف على نرد تفيد انهم تمنوا ان يردوا إلى الدنيا ، وان لا يكذبوا بعد عودتهم إليها بآيات ربهم كما كذبوا من قبل ، وان يكونوا من المؤمنين بما جاء به الرسول ، أي تمنوا هذه الثلاثة ، وقيل بل تمنوا الأول فقط ، وقوله « وَلا نُكَذِّبَ » الخ معناه ونحن لا نكذب الخ وعلى هذا يكون الايمان وعدم التكذيب غير داخلين في التمني ، وشبهه سيبويه بقولهم : دعني ولا أعود . وهو طلب للترك فقط ، والوعد بعدم العود مستأنف مقطوع عما قبله ، والتقدير : وأنا لا أعود تركتني أم لم تتركني . وفيه وجه ثالث وهو ان قوله « وَلا نُكَذِّبَ » جملة حالية قال الزمخشري : على معنى غير مكذبين وكائنين من المؤمنين ، فيدخل في حكم التمني . اه وقد يتوهم ان دخوله في حكم التمني يجعله بمعنى الوجه الأول وليس كذلك ، فان معنى الوجه الأول أنهم يتمنون الردّ وعدم التكذيب والايمان على سواء ، ومعنى الثاني أنهم يتمنون الرد فقط ويعدون بالايمان وعدم التكذيب وعدا خبريا مؤكدا غير مقيد بإجابتهم إلى ما يتمنون . وأما إذا جعلنا « وَلا نُكَذِّبَ » الخ جملة حالية - وهو الوجه الثالث - فإنها تصدق بحصول كل